تعارض الجرح و التعدیل

تعارض الجرح و التعدیل

اهمیه البحث

البحث فى هذه القاعده من مهمات الأبحاث الرجالیه وذلک لامرین:

  1. کثره تضارب الألفاظ فى حق الرواه جرحا وتعدیلاً مما یعنى إعمال هذه القاعده فى کثیر من الموارد.
  2. کثره التعرّض له عند علماء الدرایه وبحث وجوه النقض والابرام والاثبات وما إلی ذلک.

الاقوال فى المسأله

وقد نسب للمشهور من علماء القول بتقدیم کلام الجارح علی کلام المعدِّل ولو تعدّد الأخیر. والیک نماذج هذا القول:

قال الشهیدŠ: ولو تعارض الجرح والتعدیل قدم الجرح، لاستناده إلی الیقین[۱].

وقال الشهید الثانىŠ: وإذا تعارض الجرح والتعدیل فالجرح مقدّم[۲].

وقال الشیخ البهایى: وقد اشتهر أنه إذا تعارض الجرح والتعدیل قدم الجرح[۳].

و السید العاملى: قال أنّه قد اشتهر بینهم تقدیم الجرح علی التعدیل عند التعارض[۴].

وقال: وإذا تعارض الجرح والتعدیل، فقیل: یقدّم الأول مطلقاً؛ ونسب إلی الأکثر[۵].

بل ادّعى علیه الاجماع، فقال السید شرف الدینŠ: وقد تقرّر بالاجماع تقدیم الجرح علی التعدیل فى مقام التعارض[۶].

وعلیه جمهور علماء العامه ایضاً کابن الصلاح[۷] وابن کثیر[۸] والطیبى[۹] والبلقینى[۱۰] والعراقى[۱۱] و ابن الأثیر[۱۲] و النَوَوِى[۱۳] وابن عساکر[۱۴] والفخر الرازى[۱۵] والآمدی[۱۶] والسخاوى[۱۷] والسیوطى[۱۸] و غیرهم، بل لم‏نعثر علی مخالف فیهم بعد الاتفاق علی ذلک.

وفی مقابله القول بتقدیم التعدیل علی الجرح علی الاطلاق. هذا القول وان کان مذکوراً فی کتب القوم الا انّه لم‏نعثر على قائله ولا على دلائله. قال المحقّق المامقانیŠ: وقصارى ما یتصوّر فی توجیهه أنّه إذا اجتمعا تعارضا، لأنّ احتمال اطلاع الجارح على ما خفی على المعدّل معارض باحتمال اطلاع المعدِّل على ما خفی على الجارح من تجدّد التوبه والملکه، وإذا تعارضا تساقطا ورجعنا إلى أصاله العداله فی المسلم.

وفیه:

أولاً أنّ أصاله العداله فى المسلم ممنوعه کما أوضحنا ذلک فی محلّه.

وثانیاً أنّ قول الجارح نص فى ثبوت المعصیه الفعلیه فلا محیص عن وروده وحکومته علی الأصل الذى هو مناط التعدیل.

وثالثاً أنّ اللازم عند تحقّق التعارض هو التماس المرجّح لا التساقط.

ورابعها أنّ ذلک لا یکون من تقدیم التعدیل علی الجرح، بل هو طرح لهما ورجوع إلی الأصل[۱۹].

وقبل بیان المختار لا بدّ من إبراز الوجوه التى یمکن فرضها منشأ لدعوی المشهور والرد علیها وهی عدیده منها:

الأوّل: انّ التعدیل مبنى علی ملاحظه ظواهر الرجل وسلوکه ومجموع فعاله ویکاد یکون محالاً اطلاع المعدِّل علی کل مجریات وأفعال رجل ما وإنّما یشهد بعدالته من مجموع أمور حسیه وملاحظات  وقرائن یطمئن من خلالها باستقامه الرجل وسداده وهذا لا یتنافى مع انحرافه باطنا ولو فى برهه زمنیه قصیره ولم یطّلع المعدِّل علیه. وهذا بخلاف الجارح فإنّه یکفى فى صدقه اطلاعه علی حاله ما من أحواله ومن هنا یکون تقدیم قوله عملاً بکلتى الشهادتین معاً.

قال الشهیدŠ: إنّ الجرح إنّما قدّم علی التعدیل، بسبب زیاده العلم من الجارح علی المعدّل، لأنّه بنی علی الظاهر، واطلع الجارح علی ما لم‏یطلع علیه المعدل. وهى ـ أی: زیاده العلم التى أوجبت تقدیم الجارح ـ هنا[۲۰]. و قال فى موضع آخر: لو اجتمع فى واحد جرح وتعدیل، فالجرح مقدّم علی التعدیل، وإن تعدّد المعدل، وزاد علی عدد الجارح، علی القول الأصح. لانّ المعدِّل مخبر عما ظهر من حاله، والجارح یشتمل علی زیاده الاطلاع، لأنّه یخبر عن باطن خفى علی المعدِّل، فإنّه لا یعتبر فیه ملازمته، فى جمیع الأحوال، فلعلّه ارتکب الموجب للجرح فى بعض الأحوال، التى فارقه فیها[۲۱].

ومن العامه قال الرازى: إذا تعارض الجرح والتعدیل قدّمنا الجرح لأنّه اطلاع علی زیاده لم‏یطلع علیها المعدّل ولا نفاها فإن نفاها بطلت عداله المزکّى، إذا النفى لا یعلم. اللهم إلا إذا جرحه بقتل انسان فقال المعدِّل رأیته حیاً فها هنا یتعارضان[۲۲].

الثانى: انّ شهاده المعدِّل شهاده علی أمر حدسى وهو العداله غیر أنّها منتزعه من مجموع أمور حسیه أو ما قرب منها بینما علی العکس من ذلک شهاده الجارح، فإنّها شهاده علی أمر محسوس ومع تعارض الشهادتین کذلک لا بدّ من تقدیم الشهاده الحسیه علی الحدسیه وذلک لامرین:

  1. غلبه الخطأ فى الحدسیات بالمقابله مع الحسیات.
  2. کون عمل العقلاء ودیدنهم علی تقدیم الشهاده الحسیه علی غیرها حین التعارض.

الثالث: أنّ عاده الأصحاب أخذ الحائطه فى أمور الدین عموماً وبما یتعلّق منها بالجرح والقدح خصوصاً لما فیه من مزید النهى والوعید بالخذلان واللعن و کان الأقرب إلی الأصحاب حمل الرجال علی ظاهر الفعال وحسن المقال والبناء علی العداله والصلاح أو التوقّف مهما أمکن من مثل هذه الأمور.

ومن هنا کانت شهاده الواحد منهم بجرح لما تشتمل علی الجرأه ببیان ما خفى عن الناس أشبه بالنص الصریح علی صحه وواقعیه الشهاده بحیث دعته إلی الخروج عن طریقه الأصحاب إلی إبراز معایب من ظهر أو خفى منه ذلک. ومن الطبیعى حینئذ تقدیم الشهاده الجارحه علی المعدِّله.

وفى کل هذه الوجوه نظر:

أما الأوّل: فلانّه یتم لو بنى علی أنّ العداله عباره عن الاسلام مع عدم ظهور الفسق الملائم للاطلاع والاختبار السطحى أو عدمهما أصلاً. وأما لو بنى علی أنها ملکه وکیفیه راسخه فى النفس باعثه علی ملازمه الطاعات وتجنّب المحرمات بل وعدم الاخلال بالمروات کما هی عند البعض فانّ النتیجه ستنعکس، لأنّ الملکه کما بین تکون قرینه علی صرف ما ظهر من فسق وانحراف عن ظاهره وحمله علی جهه من الجهات المسوّغه مما لا یتنافى مع ثبوت الملکه المذکوره. وکذلک ان کان العداله انعکاس تشریعات المله علی تصرفات وسلوک الرجل، إذ لا نقصد منها ظهور حاله أو حالتین بل نعنى بها مجموع تصرّفات تدعو إلی الاطمئنان والرکون إلی أنّه لا یصدر منه ما یخل بالجاده ومما یؤکّد ذلک الکثیر من الحوادث الخارجیه مع المؤمنین والتى قد یستظهر منها بل یقطع من خلالها بانحرافهم و زندقتهم أحیاناً مع أنه بعد الفحص و السؤال یتبیّن انّ لها وجهاً وجیهاً بل قد تکون لازمهً واجبهً وإنّما دعا إلی الحکم المتقدّم عدم الإحاطه بجمیع الظروف والملابسات المکتنفه بالحادث.

فهذا محمد بن عیسی بن عبید الیقطینى رمى بأنّه یونسی وکأنّها مدعاه لکفره وخروجه عن المله مع أنّه من مثل یونس فی الورع والصلاح؟! کیف وقد ورد فیه أنّه أفقه الأصحاب بعد سلمان الفارسى وخرج التوثیق فیه والترحّم علیه بل قد ضمنت له الجنه إلی غیر ذلک مما ورد فیه.

و ممن ذهب الی هذا السید الدامادŠ حیث قال: وما یقال إنّ الجرح أولی بالاعتبار، لکونه شهاده بوقوع أمر وجودى بخلاف التعدیل، ضعیف؛ إذ التعدیل أیضاً شهاده بحصول ملکه وجودیه هى العداله، إلا أن‏یکتفی فى العداله بعدم الفسق من دون ملکه الکف والتنزه[۲۳].

وقال فی مفتاح الکرامه: أنّه قد اشتهر بینهم تقدیم الجرح على التعدیل عند التعارض، وهذا لا یتأتى إلا على القول بأنّ العداله حسن الظاهر. وأما على القول بأنّها الملکه فلا یتجه، لأنّ المعدِّل إنّما ینطق عن علم حصل له بعد طول المعاشره والاختبار أو بعد الجهد فى تتبع الآثار، وعند هؤلاء یبعد صدور المعصیه فیبعد صدور الخطأ من المعدِّل. ویرشد إلى ذلک تعلیلهم فی تقدیم الجرح على التعدیل إنّا إذا أخذنا بقول الجارح فقد صدّقناه وصدقنا المعدِّل، لأنّه لا مانع من وقوع ما یوجب الجرح و التعدیل بأن‏یکون کلّ منهما اطّلع على ما یوجب أحدهما، وأنت خبیر بأنّ المعدِّل على القول بالملکه إنّما یخبر بما علمه وبما هو علیه فی نفس الأمر والواقع، ففی تقدیم الجرح حینئذ وتصدیقهما معا جمع بین النقیضین تأمل فإنّه ربما دق[۲۴].

وأما الوجه الثانى فیرد علیه:

أولاً: انّ دعوی کون العداله من الأمور الحدسیه من التسامح فى التعبیر، لأنّ العداله وإن لم‏تکن شخصاً أو جسماً خارجیاً إلا أنها عباره عن حالات حسیه أو قریبه منها فحضور الجماعات والمواظبه علی الطاعات واجتناب المحرمات أمور محسوسه. فقال بعض العاصرین: فالاسم بما هو اسم لیس محسوساً لکن المسمّی هو أمر حسى. وإن شئت التنزّل فهى أمر حدسى ملاصق جداً للحس کما هو الحال فى الشجاعه والکرم[۲۵].

و ثانیاً: ان تقدیم الحس علی الحدس أما للاطمئنان بکذب الحدس و بخطئه أو لجرى العقلاء الممضى شرعاً.

وکلاهما ممنوع:

أما الأوّل: فلعدم حصول الاطمئنان بکذب أو خطأ الخبر الحدسى کما عارضه خبر حسى.

وأما الثانى: فلعدم تسلیم جرى العقلاء علی تقدیم المحسوس علی المحدوس مطلقاً ولو سلّم فانّ ذلک لا یتمّ فیما کان ملاصقاً جداً للحس وما نحن فیه إن لم‏یکن حسیاً فهو کذلک.

وأما الوجه الثالث فغریب أیضاً، إذ یلحظ الأصحاب بلحاظین اولاً بما هم متشرعه وأصحاب و ثانیاً بما هم محافظون الشریعه عن الحدثان وتطرّق الوضع والتحریف.

ففى الحاله الأولی قد یصدق علی الأصحاب حمل الرجال علی ظاهر الفعال وحسن المقال والبناء علی العداله والصلاح أو التوقّف مهما أمکن إلا أنّه فى الحاله الثانیه لیس کذلک وهذه عاده القمیین أشهر من أن‏تخفی فى مزید احتیاطهم بالأخذ عن الرجل حتّی أنّ أحمد بن محمّد بن عیسی الأشعرى أخرج البرقى من قم لا لذنب لا یغفر بل لاعتماده الضعفاء فى مرویاته.

ومن نحوه قولهم” یعتمد الراسیل” او “یروى عن الضعفاء” مع انّهما لیسا لبیان عدم توثیق الراوى کما لا یخفی.

و لاجله لم‏یقبل المحققون تقدیم الجرح علی التعدیل باطلاقه. قال الشیخ البهائىŠ: وقد اشتهر أنه إذا تعارض الجرح والتعدیل قدّم الجرح وهذا کلام مجمل غیر محمول علی إطلاقه کما قد یظن، بل لهم فیه تفصیل مشهور وهو أنّ التعارض بینهما علی نوعین:

الأول: ما یمکن الجمع فیه بین کلامى المعدّل والجارح کقول المفید ـ قدس الله روحه ـ فى محمّد بن سنان أنّه ثقه وقول الشیخP أنّه ضعیف، فالجرح مقدّم لجواز اطلاع الشیخ علی ما لم‏یطلع علیه المفید.

الثانى: ما لم‏یمکن الجمع بینهما کقول الجارح أنّه قتل فلاناً فى أول الشهر وقول المعدّل أنّى رأیته فى آخره حیاً وقد وقع مثله فى کتب الجرح والتعدیل کثیراً کقول ابن الغضائرى فى داود الرقى أنه کان فاسد المذهب لا یلتفت إلیه وقول غیره أنّه کان ثقه قال فیه الصادق۴ أنزلوه منّى منزله المقداد من رسول اللهˆ فهیهنا لا یصح إطلاق القول بتقدیم الجرح علی التعدیل بل یجب الترجیح بکثره العدد وشده الورع والضبط وزیاده التفتیش عن أحوال الرواه إلی غیر ذلک من المرجّحات هذا ما ذکره علماء الأصول منّا ومن المخالفین.

و ظنّى أنّ إطلاق القول بتقدیم الجرح فى النوع الأوّل غیر جید ولو قیل فیه أیضاً بالترجیح ببعض تلک الأمور لکان أولی وقد فعله العلامه فى الخلاصه فى مواضع کما فى ترجمه إبراهیم بن سلمیان حیث رجّح تعدیل الشیخ والنجاشى له علی جرح ابن الغضائری….. لکن ما قرّرهP فى نهایه الأصول یخالف فعله هذا حیث لم‏یعتبر الترجیح بزیاده العدد فى النوع الأوّل من التعارض معللاً بأنّ سبب تقدیم الجارح فیه جواز اطلاعه علی ما لم‏یطلع علیه المعدّل وهو لا ینتفى بکثره العدد.

ولا یخفی أن تعلیله هذا یعطى عدم اعتباره فى هذا النوع الترجیح بشىء من الأمور المذکوره وللبحث فیه مجال کما لا یخفی[۲۶].

لکن قال الاسترآبادی فى الفوائد المدنیه ـ بعد نقل کلام الشیخ البهائى ـ : وأنا أقول أولاً: تحقیق المقام أنّ الجارح قسمان جارح یقوی حکم الجهل بالحال، وجارح یثبت فی الشریعه جرحه ضعف المجروح، وابن الغضائرى لم‏یثبت بجرحه ضعف المجروح فى الشریعه، بل یصلح أن‏یکون مقویاً لحکم مجهول الحال.

وتوضیح المقام: أنّه إذا وقع التعارض بین جرح یثبت به فى الشریعه ضعف المجروح وبین تعدیل کذلک کان الجرح مقدماً ولا مجال للترجیح فیه، فما فعله العلامه فی کتاب الخلاصه غیر مناف لما قرّره فى کتاب النهایه. و من المعلوم أنّه إذا لم‏یکن تناقض بین الشهادتین لا مجال للترجیح وطرح أحدهما، بل یجب الجمع بینهما، فهذا الکلام من الفاضل المعاصر غفله وأى غفله! وتساهل فى الأمور وأى تساهل! [۲۷]

وقال المحقّق الداماد: إذا تعارض الجرح والتعدیل، فمنهم: من یقدِّم الجرح مطلقاً. ومنهم: مع کثره الجارح. ومنهم: من یقدّم التعدیل مطلقاً. ومنهم: مع کثره المعدّل.

والتحقیق، أنّ شیئاً منهما لیس أولی بالتقدیم من حیث هو جرح أو تعدیل. وکثره الجارح أو المعدّل أیضاً لا اعتداد بها، بل الأحق بالاعتبار فى الجارح أو المعدّل قوه التمهّر وشده التبصر وتعود التمرن علی استقصاء الفحص وإنفاق المجهود.

وربما تنضاف إلی قول الجارح أو المعدِّل شواهد مقوّمه وأمارات مرجّحه فى الأخبار والأسانید والطبقات.

وبالجمله: یختلف الحکم باختلاف المواد والخصوصیات. ولذلک کله لم‏نبال مثلاً فى إبراهیم بن عمر الیمانى بتضعیف ابن الغضائری، ولا فى داود بن کثیر الرقى بتضعیف النجاشى وابن الغضائرى إیاه.

وأما ذکر السبب فاشتراطه فى الجرح دون التعدیل قوى؛ إذ ربّ أمر لا یصلح سبباً للجرح یراه بعض سببا[۲۸].

و قال ملا عبد الرزاق الحائرى الأصفهانى الهمدانى: و الأظهر أن‏یفصل بین ما لو کان التعارض من حیث الإطلاق فیرجح الجرح، و بین ما لو کان التعارض من حیث الخصوص کأن یقول الجارح: وجدته یشرب الخمر فى وقت کذا، وقال المزکّى: إنّى وجدته فى ذلک الوقت بعینه، نائماً أو مصلّیاً أو إنه توفّى قبل ذلک ونحو ذلک؛ فیجب الرجوع إلی المرجّحات کالأکثریه والأورعیه و نحو ذلک[۲۹].

وقال الفاضل التونى: والظاهر الترجیح بالقرائن، إن أمکن، وإلا فالتوقف[۳۰].

ولکن ـ کما عرفت من عبائرهم ـ لم‏یذهبوا الی مسیر واحد بل فى تفصیلهم تفاصیل وفى تأملاتهم نظر.

هذا الشیخ البهایى: لا یصح إطلاق القول بتقدیم الجرح علی التعدیل بل یجب الترجیح بکثره العدد….. [۳۱]. و لکن المحقّق الداماد یقول: کثره الجارح أو المعدِّل أیضاً لا اعتداد بها[۳۲].

وهناک یرد سؤال بانّ ما هو المعیار فى هذه المسأله؟

ذهب بعض الی وجوب الرجوع إلی المرجحات کالکثره والأعدلیه والأورعیه کالشیخ البهایى والمحقّق القمى وذهب بعض آخر الی اعتبار قوه التمهر وشده التبصر وتعود التمرن کالمحقق الداماد ذهب جمله آخر منهم الترجیح بالقرائن کالفاضل التونى و….

ولمزید الفائده نذکر جمله من عبائرهم

قال المحقق الداماد: إذا تعارض الجرح والتعدیل، فمنهم من یقدّم الجرح مطلقاً. ومنهم مع کثره الجارح. ومنهم من یقدّم التعدیل مطلقاً. ومنهم مع کثره المعدّل.

والتحقیق أنّ شیئاً منهما لیس أولی بالتقدیم من حیث هو جرح أو تعدیل. وکثره الجارح أو المعدّل أیضاً لا اعتداد بها، بل الأحق بالاعتبار فى الجارح أو المعدِّل قوه التمهّر وشده التبصّر وتعود التمرّن علی استقصاء الفحص وإنفاق المجهود[۳۳].

وقال المحقق القمى: إذا تعارض الجرح والتعدیل فقیل یقدّم الجرح مطلقاً وقیل التعدیل مطلقاً وقیل بالتفصیل، فإن أمکن الجمع بینهما بمعنی أن لا یلزم تکذیب أحدهما فى دعواه فیقدّم الجرح وإن لم‏یمکن الجمع بینهما فلا بد حینئذ من الرجوع إلی المرجّحات کالکثره والأعدلیه والأورعیه وغیر ذلک.

والأقوی عندی وفاقاً لجماعه من المحقّقین الرجوع إلی المرجّحات فى القسم الأول أیضاً غایه الامر هنا معارضه الظاهر مع النص، فإنّ الجرح فى حکم النص والتعدیل فى حکم الظاهر هذا فیما صرّح بالسبب وإلا الظاهر قد یقدّم علی النص بسبب المرجحات.

والحاصل أنّ المعتمد الرجوع إلی المرجّحات مطلقاً[۳۴].

قال صاحب الفصول: إذا تعارض الجرح والتعدیل قیل یقدّم الجرح مطلقاً وقیل یقدّم التعدیل مطلقاً وفصّل بعضهم  و رجّح الجرح إن کان التعارض من حیث الاطلاق و أوجب الرجوع إلی المرجّحات کالأکثریه والأورعیه إن کان التعارض من حیث الخصوص وذلک کما لو قال الجارح وجدته یشرب الخمر فى وقت کذا فقال المزکّى إنی وجدته فى ذلک الوقت نائماً أو مصلیاً أو أنّه توفّى قبل ذلک الوقت أو ما أشبه ذلک…

و لا خفاء فى أنّ ما ذکرناه ـ من تقدیم الجرح علی التعدیل ـ لا یجرى فیما إذا کان التعارض من حیث الخصوص وإلا فیتعین الرجوع فیه إلی المرجحات ثم هذا التفصیل إنّما یتّجه فى تزکیه غیر الراوى وأما تزکیه الراوى فقد عرفت مما حقّقناها من باب الظنون الاجتهادیه فهذا التفصیل إنّما یتّجه فیها لبیان مظان الظن وإلا فقد ترجّح قول المزکّى الواحد علی الجارح وإن کانا مطلقین بل وإن تعدّد الجارح وذلک حیث یکون المزکّى أثبت بحیث یکون الظن معه أقوی کترجیحنا تزکیه النجاشى علی جرح الشیخ أو کان هناک ما یحتمل أن‏یکون هو الذى عده الجارح سبباً للجرح مع أنه لا یصلح له أو صرّح بنوع السبب ولم یکن لنا تعویل علی نظره فیه[۳۵].

و قال فى رجال الخاقانى: وقد اختلف الناس فیه علی أقوال والأقرب هو القول بالرجوع إلی المرجّحات من غیر فرق بین کون التعارض بالاطلاق و التقیید أو بالتباین والتنافى.

وبعباره أخری لا فرق فى الرجوع إلی المرجحات بین کون التعارض بالظهور والنصوصیه أو بالنصوصیه والتنافى من الجانبین والتفویض لکثیر من الرواه المتقدمین؛ و القول بالجمع بینهما لو کان التعارض بالاطلاق والتقیید لقاعده الجمع بین الدلیلین مهما أمکن فلو قال المزکّى هو ثقه والآخر فطحى جمعنا بینهما وقلنا هو فطحى ثقه فى دینه فنترک ظاهر الثقه لظهوره فى الامامى. فلا بد من المصیر إلی الترجیح بکونه اضبط أو اعدل أو اعرف بحال المعدِّل و هکذا لو کان کلّ من الجرح و التعدیل مقیدا بذکر السبب و الزمان، فإنّه ان اختلف الزمان فلا تعارض و ان اتّحد وجب الترجیح بالأمور الخارجیه ککون أحدهما أشد ضبطاً وأکثر اطلاعا أو اعرف بحال هذا المعدّل لکونه معاصراً له إلی غیر ذلک مما یوجب قوه الظن و الا فالتوقف[۳۶].

و قال المامقانى: إن امکن الجمع بینهما بحیث لا یلزم تکذیب أحدهما فى شهادته یقدّم الجرح وإن لم‏یمکن الجمع فلابد من الرجوع إلی المرجّحات مع الأکثریه والأعدلیه والأورعیه والأضبتیه ونحوها و إن لم‏یتّفق الترجیح وجب التوقف للتعارض مع استحاله الترجیح من غیر مرجّح[۳۷].

والمحکی عن الشیخŠ فى الخلاف تقدیم الجرح إن امکن الجمع بینهما بحیث لا یلزم تکذیب أحدهما فى شهادته و التوقف إن لم‏یمکن الجمع، و علّل بأنّ مقتضی القاعده فى صوره تعارض البینتین هو التساقط والتوقف إلا أن‏یکون أصل فى المورد[۳۸].

وقال الرازى: وعدد المعدّل إذا زاد قیل إنه یقدّم علی الجارح وهو ضعیف لأنّ سبب تقدیم الجرح اطلاع الجارح علی زیاده فلا ینتفى ذلک بکثره العدد[۳۹].

و لکن قال السید الاعرجى فى العده  علی ما حکى عنه: إنّ المدار علی ظن المجتهد الذى عثر علی التعدیل و الجرح، و لا ریب أنّ الظن الحاصل بتعدیل الثقات ربّما رجّح علی الظن الحاصل بجرح واحد، و إن کان ینطق عن علم وینطقون عن ظن، و کان ما جاء به غیر مناف لخبرهم بل ربما کان بلغ به إلی العلم، بل التحقق بناء علی القول بالملکه، لانّ المعدِّل إن لم‏یکن ینطق عن علم فهو ناطق عما یقاربه، وذلک أنّ الملکات إنما تدرک بآثارها، والحاصل من أمارات  الآثار العلم أو ما یتاخمه، واحتمال الخطأ بعد ذلک بعید. علی أنّ مثله جار فى الجرح بل أقوی، لعدم ذکر السبب، وربّ ملوم لا ذنب له، خصوصاً وجاری عاده الناس الانحراف لأدنی عارض، و إنّما یزول ذلک الاحتمال عند ذکر السبب. ومن هنا یظهر أنّ الوجه فى الاطلاق هو الترجیح فى الأمور الخارجیه، ککونه أعدل أو أحفظ أو أعرف بحال المعدِّل أو نحو ذلک، وإلا فالوقف[۴۰].

هذا و لکن اعلم أنّ التعارض علی أقسام:

الأول: التعارض علی سبیل التباین الکلى، کأنْ‏یقول المعدِّل: رأیته فی صبیحه یوم الجمعه ـ مثلاً ـ یصلّی، و قال الآخر ـ أعنی الجارح ـ : رأیته فی ذلک الوقت المخصوص بعینه یزنی[۴۱].

والثانى: التعارض المساوق للعموم من وجه.

و الثالث: التعارض بالعموم المطلق.

وکلّ واحد من هذه الأقسام إما أن‏یکون من باب تعارض النصین، أو الظاهرین، أو الظاهر مع النص، أو الظاهر مع غیره لو قلنا بالتعارض فی الأخیر.

و الحاصل: أن صور الأقسام إما تسعه أو اثنا عشر علی اختلاف المبانى فى الاخیر[۴۲].

و مع هذا لا یمکن عدم الاتفات الی الالفاظ فمثلا قوله “یشرب النبیذ” یختلف عن قوله “یشرب الخمر” کما لایخفی. ولاجله نقول: أنّ للفظ ـ کما هو المعروف ـ دلالتین دلاله تصوریه ودلاله تصدیقیه فهذا یعنى انّ کلّ الظاهر البدوى لیس هو المراد الجدى لمتکلمه ولا عبره بالظهور فى بادئ بدء ومن أول وهله. بل إنّ هذا المراد الجدى یعرف من حال المتکلم ومعرفه أسالیب تعبیره ومن خلال مجموع ذلک یتعین المراد الجدى لکلامه.

کما لا یمکن عدم الاتفات الی حقیقه التناقض ایضاً فیصحّ الحکم علی کلامین او اللفظین بانّهما متناقضان  ان کانا مرتبطین بکلام واحد لا أنْ‏یکون أحد الکلامین مفسّراً للآخر أو ناظراً لبرهه زمنیه مغایرهً إلی غیر ذلک مما یذکر فى کتب المنطق من شروط التناقض کاتحاد الزمان والمکان واتحاد الغرض و…

ومن هنا فلا الجرح مقدم مطلقاً ولا التعدیل کذلک بل لا بد من النظر فى کلا الکلامین أولاً والنظر فى إمکان توجیه إحداهما بشکل یتناسب مع الأخری…

فمثلاً قد یرد فى حق ابى‏حمزه انه “یشرب النبیذ” [۴۳] مع انّه روى عن الرضا ۴: أبو حمزه الثمالى فى زمانه کلقمان ( کسلمان ) فى زمانه[۴۴].

فنحن مع هذا التعارض لابد من إعمال الموازنه بین التعبیرین فانّ التتبّع فى موارد استعمالات النبیذ مثلاً یعین لنا انّ المراد منها غیر ما قد یتوهّم من إراده الفسق و لعل النبیذ الذى کان یتهم بشربه من بعض الأنبذه ولم یکن یعرف تحریمها جمیعاً أو أنّ أبا حمزه کان یشرب النبیذ الحلال، فتخیّل أنّه النبیذ الحرام.

وکذا فیما لو کان أحد الکلامین محمولاً علی برهه زمنیه معینه کما هو الحال فی على بن أبى‏حمزه البطائنى فإنّه ورد فیه اللعن مع کونه من وکلاء الامام وخواصه فنجد انّ الجرح راجع إلی ظرف مغایر لظرف التعدیل وهو زمن وقفه واستبداده بأموال الإمام الکاظم† وظرف التعدیل ما قبل ذلک.

هذا کلّه إن کان السبب المذکور عن درایه. وقال السید الاعرجىŠ: فإن کان أحدهما عن درایه و الآخر انّما یتعلّق بروایه قدّم ما کان عن درایه لمکان العلم حتّی لو کانت الروایه عن المعصوم الا أن تکون متواتره عن المعصوم أو یخبر به عنه مشافهه. و لکن انّه ـ علی الظاهر ـ غیر تام علی اطلاقه، إذ الدرایه قد تکون عن تسرع وعجله لا عن تثبت و تأمل، وقد تکون من غیر الأخیر والعالم بالحال تماماً وهکذا الروایه. وکون الدرایه عن علم انّما هو بالنسبه إلی مدّعیها وهو غیر نافع فى حقنا وحینئذ فلا بد من الترجیح نعم لو کانت الروایه عن المعصوم متواتره أو کانت محفوفه بقرائن القطع فلا اشکال فى تقدیمها علی الدرایه لمکان العلم فى حقنا[۴۵].

 

[۱] الدروس: ۲/۸۰

[۲] مسالک الأفهام: ۷/۴۶۷

[۳] مشرق الشمسین: ۲۷۳

[۴] مفتاح الکرامه: ۸/۲۷۳

[۵] رسائل فى درایه الحدیث: ۲/۵۶۵

[۶] أبو هریره: ۱۹۲

[۷] محاسن الاصلاح (المطبوع ضمن مقدمه ابن الصلاح): ۲۲۴

[۸] اختصار علوم الحدیث:  ۷۷

[۹] الخلاصه فى أصول الحدیث: ۸۷

[۱۰] محاسن الاصلاح (المطبوع ضمن مقدمه ابن الصلاح): ۲۲۴

[۱۱] فتح المغیث: ۱/۳۳۶

[۱۲] مقدمه جامع الأصول: ۱/۱۲۸

[۱۳] تقریب النووى (المطبوع مع شرح الکرمانى علی البخارى): ۱/۱۲

[۱۴] حکاه عنه السخاوى فى فتح المغیث: ۱/۳۳۶

[۱۵] المحصول: ۴/۴۱۰

[۱۶] حکی عنه السخاوى فى فتح المغیث: ۱/۳۳۶

[۱۷] فتح المغیث: ۱/۲۸۷

[۱۸] تدریب الراوى: ۱/۳۰۹

[۱۹] مقباس الهدایه: ۲/

[۲۰] الرعایه: ۱۲۳

[۲۱] الرعایه: ۱۹۹

[۲۲] المحصول: ۴/۴۱۰ـ۴۱۲

[۲۳] الرواشح السماویه: ۱۶۹

[۲۴] مفتاح الکرامه: ۸/ ۲۷۳

[۲۵] بحوث فى فقه الرجال:

[۲۶] مشرق الشمسین: ۲۷۳

[۲۷] الفوائد المدنیه: ۴۹۵

[۲۸] الرواشح السماویه: ۱۶۹

[۲۹] رسائل فى درایه الحدیث: ۲/۵۶۵

[۳۰] الوافیه: ۱۶۷

[۳۱] مشرق الشمسین: ۲۷۳

[۳۲] الرواشح السماویه: ۱۶۹

[۳۳] الرواشح السماویه: ۱۶۹

[۳۴] قوانین الأصول: ۴۷۶ـ۴۷۵

[۳۵] الفصول الغرویه: ۳۰۲

[۳۶] رجال الخاقانى: ۵۵

[۳۷] مقباس الهدایه: ۲/

[۳۸] مقباس الهدایه: ۲/

[۳۹] المحصول: ۴/۴۱۰

[۴۰] نهایه الدرایه: ۳۸۱

[۴۱] و قال السید الصدر: فإن کانا مقیدین بذکر السبب والزمان فلا تعارض ویؤخذ بقول المتأخر. نهایه الدرایه:۳۸۱. وفى اطلاق هذا القول نظر کما لا یخفی.

[۴۲] رسائل فى درایه الحدیث: ۲/۳۱۵

[۴۳] اختیار معرفه الرجال:۲/ ۴۵۶

[۴۴] معجم رجال الحدیث: ۴/۲۹۴ – ۲۹۵

[۴۵] رجال الخاقانى: ۵۵ـ۶۰

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *