تقریر اصول- استصحاب در شبهات حکمیه واحکام عقلیه -مهدی احمدی

 

لینک رجوع به کل مباحث استصحاب

 

الحمد لله رب العالمین و الصلاه و السلام علی سیدنا و نبینا محمد و آله الطاهرین و اللعن علی أعدائهم أجمعین

التفصیلات فی الاستصحاب

التفصیل الأول: التفصیل بین الشبهات الموضوعیه و الحکمیه و القول بجریان الاستصحاب فی الأول دون الثانی

و هذا ما ذهب إلیه المحقق النراقی، ثمّ السید الخوئی و بعض تلامذته منهم شیخنا الأستاذ المیرزا التبریزی قدّس سرّهم. و البحث فیه أولاً فی وجود المقتضی لجریان الاستصحاب فی الشبهات الحکمیه، و ثانیاً فی وجود المانع منه إذا ثبت المقتضی له.

المقام الأول: البحث عن المقتضی لجریان الاستصحاب فی الشبهات الحکمیه

و هو غیر ثابت عندنا. إذ قد مرّ فی البحث عن أدله الاستصحاب أنه لیس لدینا أی دلیل عامّ یثبت حجیه الاستصحاب مطلقاً. إذ عمده الأدله کانت صحیحتی زراره الأولی و الثانیه و هما مختصّتان بالطهاره عن الخبث و الحدث. و ما قیل فی توجیه عمومهما من أن اللام فیهما للجنس، أو التعلیل فی الصحیحه الثانیه یکون بأمر ارتکازی، أو المراد من الیقین مطلق الیقین و لیس «من طهارتک» مقیداً له، أو هذه القضیه قد طبّقت علی الاستصحاب فی موارد متعدده، قد تقدّم عدم تمامیه شیء منها.

المقام الثانی: البحث عن وجود المانع للجریان علی فرض ثبوت المقتضی له

و المانع المدّعی هو التعارض بین استصحاب بقاء المجعول و بین استصحاب عدم الجعل. کما إذا شککنا فی نجاسه الماء القلیل المتنجس المتمَّم کرّاً. فاستصحاب بقاء النجاسه المتیقنه قبل تتمیمه کرّاً یعارضه استصحاب عدم جعل النجاسه للماء المتنجس المتمّم کراً.

ثمّ إن سعه الإشکال و أن التعارض هل هو قائم فی جمیع الاستصحابات الحکمیه کلیه کانت أو جزئیه، إلزامیه کانت أو ترخیصیه، أو یختصّ بالاستصحابات الحکمیه الکلیه الإلزامیه لیس مبیّناً فی کلام المحقق النراقی بوضوح. و السید الخوئی قد اضطربت کلماته فی هذا المجال فتاره ینفی الجریان حتی فی الاستصحابات الحکمیه الجزئیه فی الشبهات الموضوعیه کما إذا شککنا فی بقاء خمریه مایع و أردنا استصحاب حرمته و نجاسته و لم یجر الاستصحاب الموضوعی لأجل الشبهه المفهومیه فی الخمر مثلاً. و أخری ینفی الجریان حتی فی الإباحه و الطهاره، و ثالثه یضیّق دائره الإشکال و یحصرها فی الاستصحابات الحکمیه الکلیه الإلزامیه.

ثمّ إن السید الخوئی قد التزم بجریان الاستصحاب فی الشبهات الموضوعیه مع أن التعارض المذکور لو تمّ فی الشبهات الحکمیه لجری فی الشبهات الموضوعیه أیضاً؛ فاستصحاب بقاء الخمریه مثلاً یعارضه استصحاب عدم جعله خمراً بالجعل التکوینی.

و کیف کان فلنقدّم أموراً لتوضیح الإشکال و دفع بعض الإیرادات الوارده علیه.

۱. إن الإشکال منحصر فی الاستصحابات الوجودیه. أما الاستصحابات العدمیه فلا معنی لوقوع هذا التعارض فیها.

۲. إن المراد من الجعل ذاک الأمر التکوینی القائم باللحاظ و الإبراز، و من المجعول ذاک الأمر الاعتباری الذی اعتبره الجاعل.

۳. إن عدم الجعل المتیقن قبل زمن التشریع له ثلاث حصص. الأولی عدم جعل النجاسه للماء القلیل قبل ملاقاته للبول. الثانیه عدم جعل النجاسه له بعد ملاقاته للبول و قبل أن یتمّم کراً. و الثالثه عدم جعل النجاسه له بعد تتمیمه کرّاً. و العدم الأول باق یقیناً بعد التشریع، و الثانی تبدّل بالوجود یقیناً بجعل الشارع النجاسه لذالک الماء، و العدم الثالث مشکوک فیه إذ یحتمل أن الشارع لم یجعل النجاسه للماء المتنجس المتمّم کراً کما یحتمل جعله النجاسه له فیستصحب الآن العدم المتیقن قبل زمن التشریع. فقد ظهر بهذا البیان أن الجعل الیقینی المتعلّق بالنجاسه للماء القلیل المتنجس لیس حائلاً بین المتیقن و المشکوک فی الاستصحاب المذکور. إذ لکل من الحصص الثلاث یقین سابق، و العلم بنقض الیقین الثانی -أی الیقین بعدم جعل النجاسه للماء القلیل الملاقی للبول- لا یقدح فی استمرار الیقین الثالث -أی الیقین بعدم جعل النجاسه للماء المتنجس المتمّم کراً-.

الإشکالات علی جریان استصحاب عدم الجعل و تعارضه مع استصحاب بقاء المجعول

أ) الإشکال الأول علی المعارضه: ما ذکره الشیخ الأعظم

إن الزمان إما قید للموضوع -فیکون مفرِّداً له و موجباً لتعدده- أو ظرف له. و علی أی منهما لا یتعارض الاستصحابان، إذ علی الأول یجری استصحاب عدم الجعل لکن لا یجری استصحاب بقاء المجعول إذ وحده الموضوع منتفیه علی المفروض من قیدیه الزمان فیکون من القسم الثالث من استصحاب الکلی. و الأمر علی العکس علی الثانی حیث یجری استصحاب بقاء المجعول -لوحده الموضوع بعد فرض عدم کون الزمان قیداً- لکن لا یجری استصحاب عدم الجعل لنقض الیقین السابق بعدم الجعل بعد العلم بجعل النجاسه.۱

الرد علی إشکال الشیخ

إن الحکم الشرعی -و هو أمر اعتباری- کما یحتاج إلی الاعتبار فی حدوثه، یحتاج إلی الاعتبار فی بقاءه. فاستمرار النجاسه محتاج إلی الاعتبار کأصل النجاسه و إن کان الزمان ظرفاً لها. فاستصحاب عدم جعل النجاسه نعنی به استصحاب عدم جعل استمرار النجاسه زائداً علی جعل أصلها.۲

تکمله للرد علی الشیخ

إن المراد من جعل الاستمرار المحتاج إلیه فی الاعتباریات لیس جعلاً ثانیاً بعد جعل أصل الحکم. بل المراد منه أن الحکم من البدایه إما أن یجعل قصیراً بحیث لا یشمل الفتره المشکوک سریان الحکم فیها کفتره ما بعد الکریه فی المثال، أو طویلاً بحیث یشملها. فالدوران بین جعل النجاسه لخصوص فتره قله الماء و بین جعلها للأعم منها و من فتره الکریه لیس دوراناً لنفس الجعل بین الأقل و الأکثر بل هو دوران بین المتباینین من حیث الجعل أی الجعل القصیر و الجعل الطویل. و الاستصحاب ینفی الجعل الطویل و هو جعل النجاسه المستمرّه إلی ما بعد زمن الکریه، و لا یعارضه استصحاب عدم الجعل القصیر إذ یدور أمره بین الفساد و المثبتیه، حیث إن المراد من استصحاب عدم الجعل القصیر إن کان الحکم بعدم النجاسه قبل کریه الماء فهو فاسد مقطوع البطلان، و إن کان إثبات أن الجعل کان طویلاً فهو تعویل علی الأصل المثبت.

ب) الإشکال الثانی علی المعارضه: ما ذکره المحقق النائینی

إن استصحاب عدم الجعل۳ لا أثر له؛ إذ الآثار و هی التنجیز و التعذیر العقلیان إنما تترتب علی المجعول و عدمه، و ترتّب عدم المجعول علی عدم الجعل ترتّب عقلی لا یثبت بالاستصحاب.۴

ما أجیب به عن الإشکال الثانی

۱- جواب السید الخوئی

تنجّز الحکم الشرعی حکم عقلی موضوعه ذو جزأین: ثبوت الجعل و فعلیه موضوع الحکم. فکما یجوز نفی التنجز بنفی الموضوع استصحاباً فکذلک یجوز نفیه بنفی الجعل استصحاباً.۵

۲- جواب المحقق العراقی (۱) [نقلاً عن کلام السید الروحانی]

أعمیه موضوع هذا الأثر العقلی للحکم الظاهری

إن هذا الأثر و إن کان عقلیاً إلا أنه أثر للأعم من الحکم الواقعی و الظاهری فیترتّب علی الحکم الاستصحابی أیضاً. و لولا ذلک لما جری الاستصحاب فی الشبهات الحکمیه مطلقاً لعدم ثبوت أثر شرعی علی المستصحب إذا کان حکما شرعیاً بنفسه. هذا مضافاً إلی أن أصاله عدم النسخ جاریه عندهم بلا إشکال مع أنه استصحاب لبقاء الجعل.۶

هذا ما حکاه السید الروحانی عن المحقق العراقی، فی أن التنجیز أثر عقلی للأعم من الحکم الواقعی و الظاهری و لیس کالآثار العقلیه المعهوده فی مسأله الأصل المثبت و التی هی مختصه بالحکم الواقعی و لذا لا تَثبت بثبوت الحکم ظاهراً بالاستصحاب.

توضیح ذلک أن الموضوع للأحکام العقلیه قد یکون خصوص الحکم الواقعی، و قد یکون الأعم منه و من الحکم الظاهری. مثال الأول «الوجوب الشرعی» الموضوع لحکم العقل بعدم حرمه متعلَّقه، فالوجوب و الحرمه لا یجتمعان فی متعلّق واحد. إلا أن هذا الحکم العقلی مختصّ بالوجوب الواقعی بناء علی الحق من إمکان الجمع بین الحکم الواقعی و الظاهری. و مثال الثانی «الحکم الشرعی» الموضوع لحکم العقل بوجوب الإطاعه، حیث إن وجوب الإطاعه حکم عقلی للأعم من الحکم الشرعی الواقعی و الظاهری. و کذا نفس المثال الأول بناء علی مسلک ابن قبه من امتناع الجمع بین الحکمین الواقعی و الظاهری، فاستصحاب الوجوب یثبت عنده عدم الحرمه إذ هو أثر عقلی للأعم.

و سرّ الأعمیّه فی موضوع حکم العقل بوجوب الإطاعه أن موضوع هذا الحکم لیس الحکم الواقعی المحرَز بل هو احتمال الحکم الواقعی إلا إذا کان عذر بترخیص من الشارع. و هذا هو الوجه فی منجَّزیه الواقع فی الشبهات قبل الفحص و کذا فی أطراف العلم الإجمالی حیث إن احتمال الحکم الواقعی یوجب الإطاعه عقلاً و إلا فإن العلم الإجمالی لیس عله تامه للتنجیز و لا مقتضیاً له. أما حکم العقل بقبح العقاب بلا بیان فإما أن لا نسلّمه کما هو الحق أو نقول بعدم موضوع له کما ذهب إلیه السید الخوئی بدعوی أن العلم الإجمالی بثبوت أحکام فی الشریعه أوجب تنجیزها منذ البدء فنحن بحاجه إلی المعذّر علی التقدیرین.

فالحاصل أن استصحاب الجعل یثبت التنجیز العقلی و استصحاب عدمه یثبت التعذیر العقلی.

۳- جواب المحقق العراقی (۲)

اتحاد الجعل و المجعول

إن الجعل و المجعول متحدان ذاتاً متغایران اعتباراً -کالإیجاد و الوجود أو التصوّر و المتصوَّر- حیث إنه وجود واحد یقال له الجعل إذا قیس إلی فاعله أی الجاعل و یقال له المجعول إذا لوحظ مجرّداً عن فاعله.

ثم ذکر السید الروحانی أن السید الخوئی أیضاً بنی علی اتحاد الجعل و المجعول. و الذی یبدو من منشأ هذه النسبه هو أن السید الخوئی یقول بأن الحکم حقیقه هو ما ینشئه الجاعل عند التشریع. و التعبیر بالحکم الفعلی مجاز فی الإسناد و لیس قسماً ثانیاً للحکم. بل الحقیقه أن الحکم یعبَّر عنه بالإنشائی فی ظرف عدم تحقق موضوعه فی الخارج، و یعبَّر عنه  بالفعلی فی ظرف تحقق الموضوع.

ما أجاب به السید الروحانی عن مقاله المحقق العراقی

۱. فی ما یتعلّق بجوابه الأول

أولاً إن هناک فرقاً بین استصحاب الوجود و استصحاب العدم. فإن استصحاب ثبوت الجعل یثبت عقلاً ثبوت المجعول ظاهراً لاستحاله ثبوت الجعل بدون المجعول، فموضوع هذا الأثر العقلی أعم من الجعل الواقعی و الظاهری الاستصحابی. لکنّ استصحاب عدم الجعل لا یثبت عدم المجعول، لعدم استحاله ثبوت المجعول مع انتفاء الجعل ظاهراً.

ثانیاً إنه لا یعقل التعبّد بالجعل وجوداً و عدماً إذ التعبّد إنما یتعلّق بالأمور الاعتباریه و الجعل أمر تکوینی. و أما أصاله عدم النسخ -أی بقاء الجعل- فلیست استصحاباً بل هو تمسّکٌ بإطلاق دلیل الأحکام نظراً إلی عدم إمکان النسخ فی الأحکام الشرعیه حقیقه، و تسمیتها بالأصل مجرّد اشتراک لفظی کأصاله اللزوم فی البیع. علی أنه یمکن القول بأنها تعبّدٌ بآثار بقاء الجعل کما هو الحال فی استصحاب الموضوع الذی لا یعنی إلا التعبّد بحکمه.

مناقشه فی الجواب عن الجواب الأول

۱- إن الاعتبار حقیقه لا یعنی سوی الافتراض، و افتراض المحال لیس بمحال. فلا محذور عقلاً فی اعتبار الجعل ظاهراً مع عدم مجعول و لو ظاهراً، فالتفرقه بین استصحاب الجعل و استصحاب عدمه لا وجه له.

۲- إن الموجود فی کلام المحقق العراقی لیس ما ذکر من الإشکال، بل الموجود أنه إذا قلنا بتغایر الجعل و المجعول وجوداً و تلازمهما، فهذا التلازم جلیّ ظاهر إلی حدٍّ یعدّ الانفکاک بینهما مستحیلاً عرفاً فیکون الأصل حینئذ حجه فی مثبتاته. و لا یبعد أن هذا المعنی هو مراد الشیخ و الآخوند من حجیه الأصل المثبت فی صوره خفاء الواسطه.

۲. فی ما یتعلق بالجواب الثانی

إن هذه النقطه مبنیّه علی مقدمتین. الأولی أن الجعل و المجعول متحدان. و الثانیه أن التنجیز العقلی یترتّب علی الجعل الکلی إذا انضمّ إلیه تحقق الموضوع فی الخارج، فکما یمکن نفی التنجیز بنفی الموضوع و لو بالأصل فکذلک یمکن نفیه بنفی الجعل و لو بالأصل. و کلتا المقدمتین غیر تامّه.

أما المقدمه الأولی فلأن اتحاد الجعل و المجعول مبنی علی أن المنشَأ یتحقق بنفس فعل المنشِئ، مع أن الحق أن المنشأ و المجعول أمر عقلائی لا یتحقق بالجعل و الإنشاء الذی هو فعل الجاعل و المنشئ، فلیسا متحدّین. نعم، فعل الجاعل یحقِّق موضوع المجعول العقلائی.

أما المقدمه الثانیه فلأن التنجیز لا یترتّب علی الجعل الکلی و لو منضمّاً إلی الموضوع، بل إلی الجعل الخاصّ المضاف إلی المکلف الخاص. فنفی التنجیز إما بنفی الموضوع أو بنفی الجعل الخاص لا الکلی.

مناقشه فی الجواب عن الجواب الثانی

۱- إن الحق فی تفسیر الإنشاء هو ما ذهب إلیه المشهور من أن المنشَأ حاصل فی نفس المنشئ، لا عند العقلاء. إذ کون المنشأ بالبیع مثلاً هی الملکیه عند العقلاء یلزمه عدم کون بیع الغاصب بیعاً حیث إن العقلاء لا یمضون تملیکه، مع أن إطلاق البیع علی بیعه صحیح قطعاً. نعم، هو بیع فاسد.

۲- إن مثبتیه الأصل فی المقام لا ترتبط باتحاد الجعل و المجعول أو تغایرهما، بل الأصل مثبت علی کلا التقدیرین. حیث إن الاتحاد الذاتی لا یجدی فی رفع مشکله الإثبات مع التغایر الاعتباری کما هو الحال فی استصحاب الکلی لإثبات الفرد أو استصحاب مفاد کان التامه لإثبات مفاد کان الناقصه، مع أن الکلی و فرده متحدان ذاتاً فی الخارج و کذا مفاد کان التامه و الناقصه. و هذا الإشکال وارد علی المحقق العراقی أیضاً.

۳- إن عدم ترتّب الأثر علی الجعل الکلی صحیح، لکنّه إنما یرد إشکالاً علی أصحاب مسلک التحلیل العقلی -أو الخطاب القانونی- القائل بأن الشارع إنما جعل الحکم علی طبیعی المکلف و العقل هو الذی یحکم بثبوت الحکم الکلی علی هذا المکلف الخاص. فاستصحاب الحکم الشرعی مثبت علی هذا المسلک مطلقاً وجوداً و عدماً. و أما علی الحق من مسلک الانحلال الشرعی القائل بأن الشارع قد جعل أحکاماً بعدد المکلفین فلا یرد هذا الإشکال، إذ المستصحب حینئذ نفس الجعل الخاص علی هذا المکلف الخاص.

ج) الإشکال الثالث علی المعارضه: ما ذکره المحقق النراقی نفسه

إن الشک فی الاستصحاب یشترط أن یکون متصلاً بالیقین بمقتضی «کنت علی یقین فشککت». و الحال أن الشک فی ثبوت الحکم فی الفتره الثانیه منفصل عن الیقین بعدم ثبوت الحکم قبل زمن تشریع الأحکام. و الفاصل هی الفتره الأولی التی نعلم بثبوت الحکم فیها. فلا یجری استصحاب عدم الجعل، بل یجری استصحاب بقاء المجعول -بلا معارض- لاتصال فتره الشک بفتره الیقین أی الفتره الثانیه بالأولی.

تطویر المحقق النائینی للإشکال

إن حدوث الشک بعد الیقین و اتصال نفس الوصفین لیس بشرط فی جریان الاستصحاب. فقد یحدث الیقین و الشک متزامنین بل یحدث الیقین بالحاله السابقه بعد الشک فی الحاله اللاحقه و مع ذلک یجری الاستصحاب بلا إشکال. لکن یشترط فیه أن یکون المشکوک متصلاً بالمتیقن، و هو مفقود فی استصحاب عدم الجعل بالبیان المتقدّم.

جواب السید الخوئی عن الإشکال الثالث

إن الشرط الذی ذکره المحقق النائینی تامّ کبرویاً لکنه غیر تامّ فی المقام صغرویاً. حیث إن المتیقن و هو عدم ثبوت الحکم للفتره الثانیه لا ینقطع بثبوت الحکم فی الفتره الأولی بل هو باق إلی نهایه الفتره الأولی أیضاً فهو متصل زماناً بالمشکوک أی الفتره الثانیه التی نشکّ فی ثبوت الحکم فیها.۷

د) الإشکال الرابع علی المعارضه: وجود المعارض لاستصحاب عدم الجعل

إن استصحاب عدم جعل الحرمه مثلاً یعارضه استصحاب عدم جعل الإباحه، فیتساقطان فیجری استصحاب بقاء المجعول بلا معارض.

جواب السید الخوئی عن الإشکال الرابع

۱- إن عدم جعل الإباحه لیس له حاله سابقه، بل نعلم أن الشارع قد جعل الإباحه لکل الأشیاء فی بدایه التشریع ثمّ جعل أحکامه الإلزامیه تدریجاً. فقد ورد «اسکتوا عما سکت الله عنه» و «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم».

۲- إن عدم جعل الإباحه لا یعارض عدم جعل الحرمه. و ذلک لأن الملاک فی تعارض الأصول أحد أمرین: التعبد بالمتناقضین حیث یلزم منه التناقض فی الغرض أو لزوم الترخیص فی المخالفه القطعیه العملیه للتکلیف المعلوم.۸ و لا یلزم فی المقام شیء منهما. نعم، التعارض فی الأمارات یحصل بمجرد العلم بکذب أحد الدلیلین أیضاً کما یحصل بهما.

إن قیل: إن جریان الاستصحاب فی عدم الحرمه و عدم الإباحه معاً تلزم منه مخالفه عملیه حیث إن الاستصحاب یقوم مقام القطع الموضوعی فی رأیکم، فیجوز الإخبار بمفاد الاستصحاب. و لذا جاز للمجتهد إجراء الاستصحاب فی الأحکام الغیر المبتلی بها له. فلو لم یکن جواز الإخبار أثراً للاستصحاب لما جاز له إجراءه إذ الذی له یقین و شک -و هو المجتهد- لا أثر لجریان الأصل فی حقه، و الذی لجریان الأصل فی حقه أثر -و هو المقلد- لیس له یقین و شک. و حینئذ فإذا ثبت عدم الحرمه و عدم الإباحه معاً بالاستصحاب، جاز الإخبار بهما مع أنه یعلم بکذب أحدهما.

قلنا: إن الترخیص فی المخالفه القطعیه إنما یلزم لو کانت حکومه الاستصحاب علی دلیل جواز الإخبار حکومه ظاهریه -بمعنی التوسعه فی مجرّد التنجیز و التعذیر- إذ یبقی حینئذ عدم جواز الإخبار بما یخالف الواقع علی ما کان علیه من الحرمه. و لکن الأمر لیس کذلک بل حکومته واقعیه -بمعنی التوسعه فی نفس موضوع الحکم- حیث إن موضوع جواز الإخبار هو العلم لا المطابقه للواقع، فلا شکّ فی الواقع لتکون الحکومه ظاهریه، بل یجوز واقعاً الإخبار بالحکمین بالعلم التعبدی الاستصحابی.

۳- إن أصاله عدم جعل الإباحه -لو سلّم جریانها- یقع إلی جانب أصاله بقاء الحرمه المجعوله معارضه بأصاله عدم جعل الحرمه.

مشکله العلم الإجمالی بالفتاوی المخالفه للواقع

ثم ذکر السید الخوئی فی ذیل جوابه الثانی أنه لو کانت أصاله عدم الحرمه معارضه لأصاله عدم الإباحه، لکان جمیع فتاوی المجتهد ساقطاً عن الحجیه لعلمه الإجمالی بوقوع خلاف للواقع فی مجموعه فتاواه إما فی إلزامیاتها أو فی ترخیصیاتها. و الوجه فی عدم سقوطها عن الحجیه أن المجتهد لا یعلم أن المخالفه قد حصلت فی فتاواه الترخیصیه بأن یکون قد أفتی بحلیه حرام أو جواز ترک واجب حتی یلزم الترخیص فی المخالفه العملیه. بل یَحتمل أن تکون المخالفه واقعه فی فتاواه الإلزامیه فقط بأن یکون قد أفتی بوجوبِ غیر واجب أو حرمه مباح، و ذلک لا بأس به إذ لا تلزم منه المخالفه العملیه.

مناقشات السید الصدر فی کلام السید الخوئی

مناقشته فی الجواب الأول

إن استصحاب بقاء الإباحه یعارضه استصحاب عدم جعل الإباحه، کما أن استصحاب بقاء المجعول یعارضه -علی رأیه- استصحاب عدم الجعل.

مناقشته فی الجواب الثانی

۱. إن الاستصحاب قائم مقام العلم الموضوعی -علی رأیه- و العالم یجوز له الإخبار شرعاً، فیجوز الإخبار و الإفتاء بعدم الحرمه و عدم الإباحه بعد استصحابهما مع الیقین بأن أحد الخبرین کذب إذ الفعل إما حرام واقعاً أو مباح.

و لا یکفی الجواب بأن الموضوع لحرمه الإفتاء هو عدم العلم بالواقع لا نفس عدم الواقع، و المجتهد بعد الاستصحاب عالم بالواقع تعبداً فیجوز له الإخبار شرعاً. و وجه عدم کفایته أن للمجتهد علمین تعبدیین: علم بعدم الحرمه و علم بعدم الإباحه، و علماً وجدانیاً بأن أحدهما خلاف الواقع، و مقتضی علمه الوجدانی عدم جواز الإخبار علی خلافه، کما أن مقتضی علمه التعبدی جواز الإخبار علی وفاقه. مضافاً إلی أن هناک حرمتین: حرمه التشریع و الافتراء، و حرمه الکذب. و موضوع الأول و إن کان هو عدم العلم بالواقع، إلا أن موضوع الثانی هو نفس عدم الواقع.

۲. إن استصحاب عدم الحرمه له أثران: التعذیر عن الواقع و جواز الإخبار به. و استصحاب عدم الإباحه لیس له أثر إلا جواز الإخبار به. و الأصلان المتعارضان إنما یتعارضان فی الأثر المشترک بینهما لا فی الأثر المختص بأحدهما.

مناقشته فی الجواب الثالث

إن تساقط هذه الأصول جمیعاً لا یتمّ علی مبناه من عدم وقوع التعارض بین الأصل المتأخر زماناً و الأصل المتقدّم. و استصحاب بقاء المجعول متأخر زماناً عن استصحاب عدم جعل الحرمه و استصحاب عدم جعل الإباحه حیث إن جریانه متوقف علی فعلیه الموضوع فی الخارج.

مناقشته فی حلّ مشکله العلم الإجمالی بالفتاوی المخالفه للواقع

إن هذا العلم الإجمالی علی تقدیر ثبوته منجّز و مسقط للفتاوی عن الحجیه، و ذلک لأن له ثلاث صور:

أ. أن یکون العلم بالخلاف فی دائره الترخیصیات فقط: و هو یوجب سقوط جمیع الترخیصیات عن الحجیه حینئذ -کما اعترف به السید الخوئی- للزوم المخالفه العملیه. و لا یقدح کون أطراف الشبهه غیر محصوره فی تنجیز هذا العلم بناء علی مختاره من تنجیز العلم الإجمالی فیها أیضاً.

ب. أن یکون العلم بالخلاف فی دائره الإلزامیات فقط: و حیث إن الحکم الإلزامی لا یثبت بالاستصحاب علی مبناه، ینحصر طریق ثبوته فی الأمارات التی هی حجه فی مثبتاتها. فهذا العلم الإجمالی منجّز بعد تعارض الأصول فی هذه الدائره.

ج. أن یکون العلم بالخلاف فی مجموعه الدائرتین لا إحداهما بالخصوص: و حیث إن الفتاوی الإلزامیه قد ثبتت بالإمارات کما مرّ و هی حجه فی مثبتاتها، کان لازم العلم بالخلاف فی هذه المجموعه أن تکون المخالفه فی دائره الترخیصیات فحسب فتلزم منه المخالفه العملیه.۹

الردّ علی مناقشات السید الصدر

بالنسبه إلی الجواب الأول

۱. إن «کل شیء مطلق حتی یرد فیه نهی» حاکم علی استصحاب عدم جعل الإباحه حیث إن موضوع الإباحه قد أخذ فیه قید عدم ورود النهی، فإذا لم یرد نهی ثبتت الإباحه شرعاً.

۲. لو جری استصحاب عدم جعل الإباحه فی نفسه کان إلی جانب استصحاب بقاء الحکم الإلزامی معارضاً باستصحاب عدم جعل الإلزام.

بالنسبه إلی الجواب الثانی

إن بإمکان الشارع أن یتعبّدنا بخلاف علمنا التفصیلی فضلاً عن الإجمالی فیجوز لنا حینئذ الإخبار بما تعبدنا الشارع به. و هذا الإخبار لیس افتراء و لا کذباً. نعم، ذهب المحقق النائینی إلی أن الشارع لا یمکنه أن یتعبّدنا کذلک، إلا أن السید الصدر و السید الخوئی لم یلتزما بهذا المبنی.

بالنسبه إلی الجواب الثالث

قد تقدّم منه أن جریان استصحاب بقاء المجعول لا یتوقف علی تحقق الموضوع فی الخارج، و المجتهد یجری الاستصحاب و لو لم یتحقق الموضوع بعد. و لعلّ ذکر هذه المناقشه هنا مع سبق خلافها، لنکته لا نصل إلیها.

بالنسبه إلی حلّ مشکله العلم الإجمالی بالفتاوی المخالفه للواقع

تاره نجیب عن ما أفاده السید الصدر علی مبانی السید الخوئی من تنجیز العلم الإجمالی فی الشبهه الغیر المحصوره و عدم جریان الاستصحاب فی الشبهات الحکمیه، و أخری علی المبنی المختار. و قبل بیان الجواب نشیر إلی أن الإشکال لیس فی أنه کیف یجوز الإفتاء للمجتهد مع علمه بوقوع مخالفه للواقع فی مجموعه فتاواه، فهذه النقطه قد مرّ الحدیث عنها قبیل ذلک، بل الإشکال فی لزوم الترخیص فی المخالفه العملیه من جانب المقلد.

أما علی مبانی السید الخوئی فالجواب:

أولاً: أن العلم المنجز هو علم المقلد لا المجتهد، و المقلد لیس له مثل هذا العلم. و لا یجب علی المجتهد أن ینبّه مقلده الجاهل بالموضوع.

ثانیاً: أن هذا العلم الإجمالی و لو حصل للمقلد لا یکون منجزّاً إذ لیس جمیع الأحکام المفتی بها محلاً لابتلاءه، فیحتمل هذا المقلد أن المخالفه للواقع قد وقعت فی مسائل لا یبتلی بها هو.

ثالثاً: أن أطراف الشبهه الغیر المحصوره إذا کانت کثیره بحیث یعدّ العلم الإجمالی فیها کـ لا علم عند العقلاء، لم یکن العلم منجزاً.

رابعاً: أن العمل علی طبق فتاوی المجتهد هو أقرب الطرق إلی الواقع و لو کان للمقلد مثل هذا العلم الإجمالی.

و أما علی المبنی المختار فالجواب:

أن وقوع التعارض بین استصحاب عدم جعل الحرمه و استصحاب عدم جعل الإباحه مبنی علی القول بأن کل واقعه لا تخلو من حکم شرعی، و لا نقول به. و علیه نحن لا نلتزم بأن کل ما حکم العقل بحسنه أو قبحه، یحکم الشارع بوجوبه أو حرمته. إذ یمکن للشارع أن یکتفی بحکم العقل فی ذلک و لا یحکم بشیء أصلاً. و من العجیب أن السید الخوئی مع التزامه بقاعده الملازمه فی مثل حکم العقل بقبح الظلم، ینکر وجوب المقدمه شرعاً.

بیان المختار فی جریان استصحاب عدم الجعل

إن عدم جعل الأحکام لیس له حاله سابقه یقینیه، إذ من الحتمل کون الأحکام الشرعیه أزلیه. فلیس فی إمکان وجود الفعل الأزلی من الفاعل الأزلی شک و لا شبهه، و الکلام فی التکوینیات إنما هو فی ثبوت الدلیل علی عدم تحققه، و لا یوجد دلیل ینفی الأزلیه فی التشریعیات.

المراد من الجعل و المجعول

ینبغی التفکیک بین ثلاثه عناوین: الأول عملیه الجعل و هو أمر تکوینی متقوّم بالتصور و الاعتبار و الإبراز. الثانی المجعول الإنشائی و هو الحکم الاعتباری قبل تحقق الموضوع. الثالث المجعول الفعلی و هو الحکم الاعتباری بعد تحقق الموضوع. و المراد من استصحاب بقاء المجعول فی کلمات القوم هو استصحاب المجعول الفعلی. أما عدم الجعل فالمراد منه عدم الجعل التکوینی، و إن لم یبعد قصد المجعول الإنشائی منه فی کلمات السید الخوئی.

جواب السید الصدر عن شبهه المعارضه

إن الشبهه نتجت عن الغفله عن تفسیر استصحاب بقاء المجعول. فإذا تبیّن الحق فی ذاک الاستصحاب سیظهر أن المعارضه لا وجه لها. و لأجل أن نوضّح الحق فی استصحاب بقاء المجعول نطرح سؤالاً کإشکال علی هذا الاستصحاب و هو أن من شرائط صحه جریان الاستصحاب کون المشکوک -علی تقدیر ثبوته- بقاء و استمراراً للمتیقن، مع أن الحکم بما هو أمر اعتباری لا معنی لفرض الاستمرار فیه، بل هو إنما یتحقّق دفعه، لا أن الحکم فی الفتره الثانیه استمرار للحکم فی الفتره الأولی.

و قد أجاب السید الصدر عن هذا الإشکال بأجوبه المهمّ منها جوابان أحدهما من المحقق العراقی و الآخر من نفسه.

أ. المعقولات الثانیه الفلسفیه

قد ذکر المحقق العراقی تبعاً لمشهور الفلاسفه أن العوارض علی ثلاثه أقسام. منها المعقولات الأولی التی عروضها خارجی و اتصافها خارجی أیضاً کالبیاض مثلاً فإن الجدار متصف خارجاً بالبیاض الخارجی. و منها المعقولات الثانیه المنطقیه التی عروضها ذهنی و اتصافها ذهنی أیضاً کالنوعیه فإن مفهوم الإنسان متصف ذهناً بالنوعیه الذهنیه. و الکلیه أیضاً من المعقولات الثانیه المنطقیه و من هنا یظهر القدح فی القضیه المشهوره القائله: إن الکلی الطبیعی یوجد فی الخارج بوجود أفراده، إذ الکلیه -و هو أمر ذهنی عروضاً و اتصافاً- لا یمکن أن توجد فی الخارج بوجه. و منها المعقولات الثانیه الفلسفیه التی عروضها ذهنی و اتصافها خارجی کالإمکان و الوجوب و الامتناع فإن زید متصف خارجاً بالإمکان الذهنی، أو الواجب الوجود متصف خارجاً بالوجوب الذهنی، أو اجتماع النقیضین متصف خارجاً بالامتناع الذهنی و هکذا. و الحکم أیضاً معقول ثان فلسفی حیث إن اتصاف المتعلَّق به خارجی و إن کان هو بنفسه ذهنیاً.

کما أن الخارجیه المعتبره فی جریان الاستصحاب تحصل من اتصاف المتعلَّق بالحکم. إذ من شرائط جریان الاستصحاب الوحده الخارجیه للقضیتین المتیقنه و المشکوکه، مع أن الحکم اعتبار ذهنی و لا وجود خارجی له متیقناً و مشکوکاً. و اتحادهما ماهیه لا یسوّغ جریان الاستصحاب فیه فلا مجری للاستصحاب فی الحکم أساساً. فهذه النظریه تحلّ المشکلتین معاً.۱۰

نقض السید الصدر لحل المحقق العراقی

إن المعقول الثانی الفلسفی غیر معقول و إن کان مشهوراً. إذ من شرائط صحه الحمل اتحاد ظرفه فلا یعقل کون المعروض خارجیاً مع أن العارض ذهنی. و الحل الصحیح أن موطن هذا الحمل هو عالم الواقعیات الذی لیس من عالم الخارج و لا الذهن. کما أن موطن مفاهیم کالکلیه و الجزئیه و العالمیه و الأکبریه و الإمکان و الامتناع هو ذاک العالم.

مناقشه فی کلام السید الصدر

إن عدم معقولیه المعقول الثانی الفلسفی و إن کان حقاً -حیث إن ما هو متصف بالخارجیه منشأ انتزاع العارض لا نفس المعروض- إلا أن ثبوت عالم الواقعیات ممنوع. علی أن وحده ظرف الحمل لا تحصل و لو نسلّم ذاک العالم.

ب. الجعل بالحمل الأولی و الحمل الشائع

إذا تصّورنا فی یوم الجمعه أنه سیکون مطر یوم السبت، کان هناک أمران. الأول: الوجود الذهنی فی یوم الجمعه. الثانی: أنه سیکون مطر یوم السبت. و نحن إذا لاحظنا تلک الصوره الذهنیه بما هو موجود ذهنی کان لحاظاً لها بالحمل الشائع. و إذا لاحظناها بما هو مفهوم و ماهیه و طبیعه کان لحاظاً لها بالحمل الأولی.

و الحکم -بما أنه موجود ذهنی- کذلک. فإذا لاحظناه بالحمل الشائع کان موجوداً ذهنیاً یوجد دفعه فلا استمرار فیه. و إذا لاحظناه بالحمل الأولی کان نجاسه اعتباریه مثلاً لها حدوث و بقاء. فعلی الأول یجری استصحاب عدم الجعل فقط و لا یجری استصحاب بقاء المجعول، و علی الثانی یکون الأمر بالعکس. و لا یمکن الجمع بین اللحاظین. و بما أن ظاهر الأدله هو اللحاظ بالحمل الأولی، کان الجاری هو استصحاب بقاء المجعول فقط. و یشهد له عدم الاستشکال من أحد من العلماء فی جریان استصحاب بقاء المجعول فلولا أن هذا اللحاظ کان هو المرتکز فی إذهانهم لم یتّفقوا علی جریانه.

ثمّ إن المستصحب فی موارد استصحاب عدم الجعل، هو عدم المجعول حقیقه.۱۱

هذا ما ذکره السید الصدر فی المقام، و نحن قبل أن نخوض فی مناقشته نضیف إلی الأمرین المذکورین فی کلامه أمراً ثالثاً و هو «المطر الخارجی یوم السبت» لنفسّر به النزاع الواقع بین القائلین بتعلق الحکم بالعنوان کالمحقق العراقی و المحقق الإصفهانی، و بین القائلین بتعلقه بالمعنون کالآخوند و المحقق النائینی، ببیان أن المسلکین متّفقان علی أن الحکم بالحمل الشائع أی الصوره الذهنیه لیس متعلقاً للحکم بل الصوره تؤخذ کمرآه، إلا أن المسلک الأول یری أنها مرآه للطبیعه أی الحکم بالحمل الأولی أو الأمر الثانی من الأمور الثلاثه المتقدمه. و المسلک الثانی یری أن الصوره مرآه للخارج أی الأمر الثالث الذی ذکرناه. فما ذکره الآخوند من أن متعلّق الأمر هو إیجاد الطبیعه لا نفس الطبیعه لتوجد، معناه أن الأمر قد تعلّق بالوجود الخارجی قبل تحققه فی الخارج و لذا یقول هو بالامتناع فی مبحث الاجتماع.

ثم لا یرد علی قوله هذا أن المضاف إلیه لا بدّ و أن یکون موجوداً فی ظرف المضاف فلا یعقل تعلّق الأمر بالوجود الخارجی. إذ لا نسلّم ضروره ذلک بل الذی لا بدّ من وجوده فی ظرف الإضافه هو المعروض. و لذا لیس المضاف إلیه فی مثل «العلم بالقیامه» أو «تقدّم الیوم علی الغد» موجوداً فی ظرف المضاف مع أن العلم و التقدم من الأمور ذات الإضافه.

مناقشه فی جواب السید الصدر

۱. ما المانع من أن نلاحظ الموجود الذهنی تاره بالحمل الشائع فنستصحب عدمه کسائر الموجودات التکوینیه، و أخری بالحمل الأولی فنستصحب بقاءه؟ و دعوی امتناع اجتماع الملاحظتین دعوی بلا دلیل.

۲. إنا نلاحظ الجعل بالحمل الأولی دائماً، إلا أنه کما یجری استصحاب بقاءه کذلک یجری استصحاب عدمه أی عدم المجعول الإنشائی قبل زمن التشریع. و هذا الإشکال لا جواب له إلا ما قاله الشیخ من أن ذلک العدم مقطوع الانتقاض بثبوت المجعول، أو أن أصاله بقاء المجعول حاکمه علی أصاله عدمه إذ لا شک فی العدم بعد التعبّد بالبقاء.

جواب الشیخ مرتضی الحائری عن شبهه المعارضه

إن ما هو ذو أثر فی الأحکام التکلیفیه هی إراده المولی و غرضه، و إرادته أزلیه، فلیس الشک فی الجعل مسبوقاً بحاله یقینیه عدمیه.۱۲

مناقشه فی هذا الجواب

۱. إن الحکم التکلیفی لیس نفس إراده المولی.

۲. و لو سلّم أن الحکم هی الإراده، فإن الإراده لیست من صفات ذاته تعالی عقلاً و نقلاً فلیست أزلیه. بل القول بذاتیه الإراده یوجب الجبر فیه تعالی.

جریان المعارضه فی الاستصحابات الترخیصیه

قد استدلّ لعدم معارضه استصحاب الحکم الغیر الإلزامی باستصحاب عدم الجعل أولاً بصحیحه زراره الأولی حیث إن الإمام علیه السلام قد أجری فعلاً الاستصحاب فی الطهاره، و ثانیاً بأن الأحکام الترخیصیه غیر مجعوله و إنما المجعول هی الأحکام الإلزامیه.

مناقشه فی القول بعدم الجریان

أما الدلیل الأول فیرد علیه کما قاله السید الخوئی أن الجاری فی تلک المسأله هو استصحاب عدم النوم الموضوعی لا استصحاب بقاء الطهاره الحکمی. و لا بأس بأن یجیب المسؤول عن أمر بما لیس صحیحاً فی نفسه لکنّه متّحد مع الجواب الصحیح فی النتیجه إذا کان الجواب الصحیح قد یصعب فهمه للسائل، أو الجواب الغیر الصحیح أسهل فهماً له.

و أما الدلیل الثانی ففیه أن ظاهر «قَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَیْکُمْ بِأَوْسَعِ‏ مَا بَیْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ جَعَلَ لَکُمُ الْمَاءَ طَهُوراً.۱۳» هو مجعولیه الطهاره. ثمّ لو سلّم أن الطهاره الذاتیه غیر مجعوله فلا شک فی أن الطهاره العرضیه بالتطهیر مجعوله.

فالحق جریان المعارضه علی تقدیر تمامیتها فی استصحاب الأحکام الترخیصیه أیضاً کالإلزامیه.

تنبیهات

التنبیه الأول: جریان المعارضه فی الاستصحابات الحکمیه الجزئیه

ذهب السید الخوئی فی بعض کلماته إلی سریان التعارض بین استصحاب بقاء المجعول و استصحاب عدم الجعل إلی الشبهات الحکمیه الجزئیه؛ فاستصحاب بقاء حرمه هذا المائع المشکوک بقاء خمریته یعارضه استصحاب عدم جعل الحرمه له.

الإشکالات الثلاثه للسید الصدر فی تعمیم التعارض

۱. إن الإمام علیه السلام قد أجری الاستصحاب فی صحیحه زراره الأولی فی الطهاره الجزئیه.

أما وجود مشکله أخری فی هذه الروایه کما ادّعاها السید الخوئی و هو جریان الأصل الحکمی المسبّبی أی استصحاب الطهاره مع وجود الأصل الموضوعی السببی أی استصحاب عدم النوم مع أن حکومه الأصل السببی علی المسبّبی لا تختصّ بالمتخالفین بل تجری فی المتوافقین أیضاً کحکومه استصحاب طهاره الشیء علی قاعده الطهاره فیه، فمدفوع بعدم جریان الحکومه فی المتوافقین بمقتضی القاعده، مضافاً إلی دلاله هذه الصحیحه علی جریان الأصل الحکمی کما مرّ.

۲. إنه لو سلّم التعارض هنا لأدّی ذلک إلی سقوط جریان الاستصحاب من رأس حتی فی الشبهات الموضوعیه و ذلک لدخوله فی التعارض القائم بین استصحاب بقاء المجعول الجزئی و استصحاب عدم جعله. أی إن استصحاب عدم الجعل یعارضه أصلان: استصحاب بقاء المجعول الجزئی و استصحاب بقاء الموضوع. و لیس الأصل الموضوعی حاکماً علی استصحاب عدم الجعل مع أنهما متخالفان، و ذلک لأن بقاء الخمریه مثلاً و إن ترتّب علیه شرعاً بقاء الحرمه الجزئیه إلا أن نفی عدم جعل الحرمه بهذا البقاء لا یتمّ إلا بالأصل المثبت.

۳. إن استصحاب عدم الجعل إنما یجری إذا کان الشک فی سعه الجعل و ضیقه، فلا یجری فی الشبهات الموضوعیه مطلقاً لأن کثره الموضوعات و قلّتها لا یوجب سعه الجعل و ضیقه.

و أما استصحاب عدم شمول الجعل لهذا الموضوع أی عدم الجعل علی طبیعه تشمل الفرد المشکوک، فإن أرید منه عدم شمول عنوان الجعل له فلا أثر له إذ التنجیز لا یترتّب علی شمول عنوان الجعل. و إن أرید منه عدم شمول واقع الجعل له -و واقع الجعل هو الذی له أثر- فلا شک فی بقاء واقع الجعل إذ أمره دائر بین الیقین بالبقاء و الیقین بالارتفاع فاستصحابه استصحاب للفرد المردّد.۱۴

و ببیان آخر مذکور فی البحوث: لا یجری استصحاب عدم شمول عنوان متعلق الحکم للفرد المشکوک لعدم أثر له، إذ التنجیز أثر لنفس الحکم لا لشمول عنوان المتعلق للفرد. و أما ثبوت التنجیز فی ما إذا قطعنا بشمول العنوان للفرد فإنما لأجل القطع بثبوت الحکم بعد القطع بالشمول. و هذا القطع بالحکم لا یحصل بالشمول التعبّدی للفرد.۱۵

مناقشه کلام السید الصدر فی ضمن نقاط

۱- إن إشکاله الثانی علی فرض تمامیته إنما یتمّ فی استصحاب بقاء الموضوع لا فی استصحاب نفیه، فلا یلزم من تسلیمه سقوط الاستصحاب من رأس.

۲- هناک عویصه لا حل لها فنّیاً و هو أن الاستصحاب فی نفی الموضوع مثبت دائماً، إذ لیس فی الشریعه دلیل یدلّ علی أن «کل ما لیس بخمر مثلاً لیس بحرام». بل الدلیل إنما ورد علی أن «کل خمر حرام». فاستصحاب عدم الخمریه لا یجدی فی نفی الحرمه إلا بالملازمه العقلیه. کما یجری نظیر هذا الإشکال فی شمول دلیل رفع الاضطرار لترک الصلاه عن اضطرار مثلاً. إذ دلیل الرفع إنما یدلّ علی رفع کل حکم ثبت للفعل المضطرّ إلیه لو لا طروء الاضطرار، و ترک الصلاه لا حکم له شرعاً.

و قد یجاب عنه بأن المتفاهم العرفی من مثل «الخمر حرام» أن الخمر حرام، و غیر الخمر لیس بحرام، کما فی القضایا ذات المفهوم. و یشهد له ارتکاز الفقهاء فی إجراء الاستصحاب فی نفی الموضوع بلا شبهه و لا إشکال. و کذلک یقال فی دلیل الرفع بأن نفس الوجوب یرفع بالاضطرار إلی ترک الصلاه مثلاً.

هذا، و قد یدّعی عدم تمامیه هذا الجواب فی المقام، حیث إننا و إن سلّمنا ثبوت عدم الحرمه مثلاً باستصحاب عدم الخمریه عرفاً، إلا أن هذا التسامح العرفی لیس بدرجه تسع إثبات جعل الحرمه باستصحاب بقاء الخمریه، حتی یکون استصحاب الخمریه حاکماً علی استصحاب عدم جعل الحرمه.

و هذه المناقشه وجیهه لو لا ما ذهبنا إلیه من حجیه الأصل فی کثیر من مثبتاته، و علیه نقول إن استصحاب بقاء الخمریه یلزمه شرعاً بقاء الحرمه، و بقاء الحرمه یثبت عرفاً جعل الحرمه، فینفی به عدم جعل الحرمه.

۳- إن التفکیک بین القسم الثانی من استصحاب الکلی و استصحاب الفرد المردد من إبداعات المحقق العراقی و قد تبعه علیه السید الصدر. و قد أجیب بهذا التفکیک عن مسائل معقّده فی الاستصحاب منها الشبهه العبائیه. و خلاصه القول فی تلک الشبهه أنه إذا علمنا بنجاسه أحد طرفی العباء ثم غسلنا الطرف الأعلی منه مثلاً، فمقتضی قاعده طهاره ملاقی أحد أطراف الشبهه المحصوره بالنجاسه طهاره ملاقی الطرف الأسفل من العباء إذ هو أحد طرفی الشبهه فلا یوجب ملاقاته الحکم بنجاسه الملاقی، بینا مقتضی استصحاب نجاسه الخیط المتنجس من العباء الذی لا نعلم أنه فی أیٍّ من طرفیه -و هذا الاستصحاب من القسم الثانی من استصحاب الکلی- هو الحکم بنجاسه ملاقی الطرفین، و هذا یعنی أن ضمّ طرف طاهر بالطرف المشکوک یوجب الحکم بنجاسه الملاقی. فلا یمکن الجمع بین القاعدتین فی مثل هذا المقام.

و قد أجاب المحقق العراقی عن هذه الشبهه بأن الخیط المتنجس المراد استصحاب نجاسته هل یقصد منه عنوانه أو واقعه؟ فإن کان المقصود عنوانه ورد علیه أن عنوان الخیط لا یتصف بالنجاسه. و إن کان المقصود واقعه ورد علیه أن واقع الخیط المتنجس المشار إلیه بـ «ذلک الخیط المتنجس الذی لا نعلم أنه فی أی طرف من العباء» لا شکّ فی نجاسته إذ هو إما معلوم الطهاره إذا کان فی الطرف الأعلی، أو معلوم النجاسه إذا کان فی الطرف الأسفل.

و فی قبال هذا القول ذهب المحقق النائینی و السید الخوئی إلی عدم الفرق بینهما بدعوی أن ملاک القسم الثانی من استصحاب الکلی موجود فی استصحاب الفرد المردد أیضاً -و لا مشاحه فی المصطلحات- فواقع الخیط المتنجس نشکّ فی بقاء نجاسته لأجل عدم العلم بأنه فی الطرف الأعلی أو الأسفل فیجری استصحاب نجاسته.

و أما إیجاب ضمّ طرف طاهر بالطرف المشکوک للحکم بنجاسه الملاقی فلا محذور فیه إذ قد یکون شیء لا أثر له واقعاً قطعاً إلا أنه یؤثّر فی الحکم الظاهری. و لنضرب لذلک مثالاً: قد وقع الخلاف فی تنجّس جسم الحیوان بالملاقاه للنجس. و علیه فإذا مرّت ببشره یدنا حشره خارجه من القاذورات و لم نعلم بجفاف جسمها فإن قلنا بنجاسه جسم الحیوان کان مقتضی استصحاب نجاسه جسم الحشره الحکم بنجاسه الید الملاقیه لها؛ و إن قلنا بعدم نجاسه جسم الحیوان لم یجد استصحاب بقاء عین النجس علی جسم الحشره فی إثبات نجاسه الید الملاقیه لها إذ ملاقاه النجس أثر عقلی لبقاء عین النجس علی جسم الحشره. فالقول بأحد المبنیین لا أثر له فی الحکم الواقعی مع أنه یؤثّر فی الحکم الظاهری بنجاسه ملاقیه. و کذلک یقال فی المقام إن ملاقاه الطرف الأعلی -بعد ملاقاه الطرف الأسفل- لا أثر له واقعاً فی نجاسه الملاقی إلا أنها توجب ظاهراً الحکم بالنجاسه و لا محذور فی ذلک.

حاصل الکلام فی استصحاب الحکم الجزئی

إن الإشکال الوحید فی استصحاب الحکم الجزئی هو تعارض استصحاب بقاء الموضوع مع استصحاب عدم المجعول۱۶. فالرکن الأول للتعارض هو استصحاب بقاء الموضوع، و أما استصحاب بقاء الحکم أی المجعول فلا دخل له فی هذا التعارض إذ جریانه مبنی علی عدم حکومه الأصل الموضوعی علی الأصل الحکمی الموافق له فإن قلنا بالحکومه لم یجر، و إن لم نقل بها کان هذا الاستصحاب الحکمی أیضاً معارضاً للرکن الثانی إلی جانب الأصل الموضوعی. و الرکن الثانی للتعارض هو استصحاب عدم المجعول لا عدم الجعل لیقال إن الجعل لا یختلف سعه و ضیقاً فی الشبهات الموضوعیه. و منه یظهر الجواب عن بیان البحوث فی تقریر الإشکال الثالث للسید الصدر، و حاصله أنّا نستصحب نفس عدم المجعول بناء علی مسلک الانحلال.

و الجواب عن هذا الإشکال بأحد وجوه ثلاثه:

۱- إن الإمام علیه السلام قد أجری فعلاً الاستصحاب فی بقاء الموضوع أو الحکم فیکشف ذلک عن عدم وجود معارض له.

و تمامیه هذا الجواب مبنی علی التعدّی أولاً عن موضوع الصحیحه -و هو الوضوء- إلی سائر الموضوعات و هو مشکل، و ثانیاً عن عدم التعارض فی هذا الموضوع إلی عدمه فی سائر الموضوعات أیضاً.

۲- إن عدم المجعول لیس له حاله سابقه یقینیه -کما تقدّم منّا- فلعلّ جعل الأحکام أزلیه.

۳- إن استصحاب بقاء الموضوع حاکم علی استصحاب عدم المجعول. نعم، إن قلنا إنّ بقاء المجعول لازم عقلی لبقاء الموضوع لم تتمّ الحکومه و استقرّ التعارض، إلا أنه قد تقدّم أن الأقرب ثبوت الحکومه بالتسامح العرفی.

التنبیه الثانی: عدم جریان الاستصحاب فی الأحکام الانحلالیه

إن عدم جریان الاستصحاب فی الحکم تاره یکون لأجل وجود معارض له و قد مرّ الکلام عنه، و أخری یکون لأجل عدم مقتضی الجریان فیه و هذا فی الأحکام الانحلالیه کحرمه وطئ المرأه فی أیام الحیض، و کولایه المنصوب من قِبل الحاکم الشرعی فلا وجه للتفریق بین وکیل الحاکم و القیّم المنصوب من قبله ببطلان الوکاله بموت الحاکم و عدم بطلان القیمومیه به، و کولایه نفس الحاکم الشرعی علی الوجوهات الشرعیه فلا وجه لاستصحاب ولایته علیها بعد موته، و کالرضا فلا یجری استصحاب رضا المالک بالنسبه لتصرف الأجنبی إذا شک فی بقاء رضاه.

و علیه فاستصحاب حرمه الوطئ بعد انقطاع الدم و قبل الاغتسال، أو استصحاب ولایه المنصوب من قبل الحاکم بعد موت الحاکم، أو استصحاب نفوذ تصرفات الحاکم بعد موته کلّها من مصادیق القسم الثالث من استصحاب الکلی إذ الحکم فیها انحلالی فحرمه الوطئ بعد النقاء و قبل الاغتسال أو جواز تصرف الحاکم أو المنصوب من قِبله بعد موت الحاکم مشکوکه من أول الأمر فلا یجری فیها الاستصحاب.

و فی قبال الحکم الانحلالی، الحکم المستمرّ کنجاسه الماء القلیل المتنجس فهذه النجاسه نجاسه واحده مستمره فیجری فیها الاستصحاب إذا شک فیها بعد تتمیمه کرّاً. و کذلک حرمه التبوّل مستقبل القبله حیث إنها حرمه واحده مستمرّه بحکم العرف و إن طال زماناً. و لا ینافی وحده الحکم لزوم الانتهاء عن التبوّل بقاءً إذ هی حرمه مستمرّه فمقتضی استمرار الحرمه لزوم الانتهاء عن العصیان بقاءً بحکم العقل، و لذا لا فرق فی قدر العصیان بین من بال مستقبل القبله دقیقه واحده مستمره و بین بال ثلاث مرّات کل مره ثلث دقیقه.

إشکال السید الصدر علی عدم جریان الاستصحاب فی الحکم الانحلالی

و لا بدّ فی تقریر الإشکال من بیان مقدمتین:

الأولی: إن اختلاف أفراد کلی واحد إنما هو بالعوارض -کما یقول به الآخوند- و أما الحیثیه المشترکه بینها فهی واحده. فإذا جرّدنا کل فرد عن جمیع عوارضه و منها وجوده الشخصی لا یبقی سوی حیثیه مشترکه بین جمیع أفراد الکلی.

الثانیه: إن متعلّق الحکم لیس هو الوجود الذهنی و لا الوجود الخارجی بل المتعلق هی الماهیه و الطبیعه و الحیثیه المشترکه بین الأفراد، و الصوره الذهنیه لدی الحاکم مرآه لتلک الحیثیه کما یقول به المحقق العراقی و المحقق الإصفهانی، و خلافاً للآخوند القائل بتعلّق الحکم بالوجود بمعنی طلب الإیجاد.

و إذا تمت هاتان المقدّمتان ثبت أن الحکم قد تعلّق بطبیعی الوطئ مثلاً، و الوطئ قبل النقاء و الوطئ بعده متحدان فی الحیثیه المشترکه فاستصحاب الحرمه یعنی استصحاب تلک الحیثیه فلیس من القسم الثالث.

مناقشه هذا الإشکال

۱- أما بالنسبه للمقدمه الأولی فهی نفس ما قاله الرجل الهمدانی فی الکلی الطبیعی -و تبعه علیه الآخوند- من أنه واحد فی أفراده و له وجود منحاز عن الأفراد. و قد یقال فی تفسیر هذا القول إن للکلی علی هذا القول وجوداً سعیّاً، و المراد منه إما ما ذکرنا من وجود مستقل له عن وجود الأفراد ثابت فیها -کما هو الظاهر-، أو المثل الأفلاطونیه و ثبوت ربّ لکل من الأنواع مدبّر له. و أما علی قول ابن سینا فالکلی لیس له وجود منحاز عن الفرد بل هو موجود بنفس وجود الفرد فالحصه الموجوده من الکلی فی الفرد الأول تغایر الحصه الموجوده منه فی الفرد الثانی و إن جرّدناهما من العوارض. و علیه فالکلی الطبیعی بمقتضی التشکیک العرضی بین أفراد الماهیه مفهوم انتزاعی من حدود متعدده بعدد الأفراد لکلٍ منها حدّه الخاصّ.

ثمّ إن اختیار أحد القولین فی هذه المسأله و تعیین ما به الاشتراک و ما به الامتیاز بین أفراد الماهیه ممّا لا یتیسّر لنا، کاختیار أحد القولین فی مسأله تعلّق الأمر بالوجود أو الطبیعه، أو مسأله أصاله الوجود أو الماهیه، أو التعریف الحدّی للموجودات. فهذه المسائل أمور وجدانیه لا تقبل البرهان فکل ما استند إلیه فی إثبات شیء منها مخدوش و القول الحق فیها أن نقول: «لا ندری!».

هذا و قد صرّح السید الصدر فی البحث عن القسم الثالث من استصحاب الکلی بعدم صحه مبنی الرجل الهمدانی و اختار هناک مبنی المشهور۱۷. و علیه فما یبقی فی الذهن بعد تقشیر الأفراد عن العوارض حصه من الکلی لا محاله لا نفسه. نعم، إن بالإمکان انتزاع حیثیه مشترکه من تلک الحصص المتعدده حقیقه نظیر انتزاع عنوان الحرکه المتوسطه عن کون المتحرک بین المبدأ و المنتهی إلا أن تلک الحیثیه لیست أصیله حیث إن انتزاع مفهوم واحد أصیل من وجودات متعدده بما هی متعدده محال. و لذا قد صرّح بعض الفلاسفه بأن هناک ماهیات للإنسان مثلاً و لیست ماهیه واحده أو کلی طبیعی واحد. فالقول بالحیثیه المشترکه بین الأفراد لا یتمّ إلا علی قول الرجل الهمدانی.

۲- و أما بالنسبه للمقدمه الثانیه فلا برهان علی امتناع تعلّق الحکم بالموجود الخارجی بل الوجدان قاض بأن الموجود الخارجی هو المطلوب إذ الصوره الذهنیه لیست مطلوبه بالذات، فقد نتصوّر شیئاً مع أنّا لا نریده. و أما ادّعاء أن تعلّق الحکم بالموجود الخارجی طلب للحاصل و لا یجدی تبدیله بطلب الإیجاد کما صنعه الآخوند إذ الإیجاد متحد مع الوجود فلا مناص من القول بتعلق الحکم بالماهیه، فمبنی علی لزوم تحقق المضاف إلیه فی ظرف المضاف فی الأمور ذات الإضافه بمقتضی کون الإضافه إشراقیه، و المضاف فی تلک الإضافه عین المضاف إلیه کعینیه الإراده للمراد، أو العلم للمعلوم بالذات. و هذا المبنی باطل لا دلیل علیه. نعم، لا بدّ للمضاف من مضاف إلیه إلا أن عینیته للمضاف مجرّد دعوی.

۳- إن المستفاد من کلمات السید الصدر هنا و فی القسم الثالث من استصحاب الکلی أنه غیر قائل بالانحلال الشرعی، و حینئذ یرد علیه أن ما ذهب إلیه لو تمّ إنما یتمّ فی المطلقات و أما الحکم العامّ لفظاً فمنحلّ قطعاً بعدد أفراده. هذا علی مسلک المحقق النائینی من أن المراد الاستعمالی مهمل فی المطلق، و مقدمات الحکمه إنما تفید عموم المراد الجدی، و هذا هو مسلک الخطابات القانونیه حکماً و موضوعاً. و أما علی مسلک الآخوند و کذا السید الخوئی۱۸ و شیخنا الأستاذ المیرزا التبریزی من عدم الفرق بین المطلق و العامّ فی عموم المراد الاستعمالی و إنما الفرق بینهما فی الدالّ علی هذا العموم هل هو مقدمات الحکمه أو الخطاب اللفظی، فالإشکال یسری إلی المطلقات أیضاً.

۴- إن السید الصدر قد أجری الاستصحاب فی الحکم الجزئی فی الشبهات الموضوعیه مع أنه لا معنی له بناء علی إنکار الانحلال الشرعی، کما لا معنی لإجراء البراءه فی الشبهات الموضوعیه بناء علی هذا المبنی. إذ مقتضی إنکار الانحلال ثبوت الحکم علی الحیثیه المشترکه و الطبیعه فحسب فلا حکم للأفراد لنستصحبه أو نجری البراءه عنه. و أما مسلک الانحلال فمقتضاه ثبوت أحکام متعدده بعدد أفراد الموضوع المفروضه بجعل واحد -کمن یرمی بقبضه من الحنطه دفعه واحده للحمام لکل حمامه حبه منها- فلا حکم حینئذ علی الطبیعه بل الحکم قد جعل علی مصادیقها. و لذا کان استصحاب حکم فردٍ منها عند الشک فی حکم فرد آخر، من القسم الثالث من استصحاب الکلی. کما أنه لذلک لا یجری الاستصحاب التعلیقی إذ الزبیب المغلی مثلاً لیس له حاله سابقه یقینیه و أما حرمه العنب المغلی فحکم آخر لا یجوز إسراءه إلی موضوع آخر.

نعم، قد یشکل بناء علی مسلک الانحلال إجراء الاستصحاب حتی فی مثل نجاسه الماء القلیل المتمَّم کرّاً حیث إن حرمه شرب ذلک الماء تنحلّ فلا یمکن إسراء الحرمه المتیقنه إلی الفرد المشکوک فیه. و الجواب أن موضوع الحرمه فی الحقیقه مرکّب من نفس الشرب و کون المشروب مائعاً نجساً، و الجزء الأول محرز وجداناً و الجزء الثانی محرز بالاستصحاب.

۵- إن ما یقال من أن القید تاره من مقوّمات الموضوع و أخری من حالاته فیجوز إلغاؤه و استصحاب ذات الموضوع فی الصوره الثانیه دون الأولی، إنما هو فی قیود موضوع الحکم کقید التغیر المأخوذ فی موضوع نجاسه الماء. و أما قیود متعلَّق الحکم فمن مقوّماته دائماً و لا یجوز إلغاؤه أبداً. فإذا وجبت الصلاه فی الوقت لم یصحّ استصحاب الوجوب بعد الوقت لأن قید الوقت من قیود المتعلّق. و من هذا القبیل حرمه وطئ الحائض.

و أما کون قید الموضوع مقوّماً له أو من حالاته فهو أمر موکول إلی العرف، فالعرف یری الاجتهاد فی موضوع دلیل جواز تقلید المجتهد مقوّماً له، و فی موضوع دلیل وجوب إکرام المجتهد من حالاته. و علیه یجری الاستصحاب بعد ارتفاع الاجتهاد فی الحکم الثانی دون الأول.

و أما ما أفاده المحقق النائینی من أن کل قید خارج عن الاختیار قید للموضوع فغیر تامّ؛ إذ یکفی فی اختیاریه عمل أن یکون جزءه داخلاً فی الاختیار فالمشی تحت المطر اختیاری و إن لم یکن نزول المطر داخلاً فی الاختیار. و علیه لا محذور فی کون قید الوقت من قیود متعلق وجوب الصلاه.

ثمّ إنه لیس معنی کون القید من حالات الموضوع عدم دخله فی الحکم رأساً إذ لو کان کذلک لم یکن شک فی بقاء الحکم لنحتاج إلی استصحابه بل معناه أنه دخیل فی حدوث الحکم لکن لا ندری هل هو دخیل فی بقاء الحکم أو لا. فقید العداله سواء أخذ فی موضوع الحکم کـ «أکرم العالم العادل» أو فی نفس الحکم کـ «أکرم العالم إذا کان عادلاً» دخیل فی الحکم بوجوب الإکرام حدوثاً إلا أنّا نشکّ فی دخله بقاء.

و الفرق بین قید قیود الحکم و قیود متعلّقه أن قید الحکم یفرض وجوده -کقید الموضوع- و لا یجب تحصیله، بخلاف قید متعلق الحکم فإنه یجب تحصیله إلا فی صوره الضرر أو الحرج کالماء الطاهر فی وجوب التوضؤ بماء طاهر.

التنبیه الثالث: جریان الاستصحاب فی الشک فی النسخ

إن النسخ بمعناه الحقیقی مستحیل فی الأحکام الشرعیه إذ الشارع المقدّس منزّه عن الجهل أو الندم. فمرجع النسخ فیها إلی انتهاء أمد الحکم۱۹، غایه الأمر أن هذا الأمد لم یذکر فی لسان دلیل الحکم. فالشک فی النسخ شبهه حکمیه منشأها احتمال أخذ قید زمانی فی الحکم و حینئذ لا یجری استصحاب بقاء الحکم لورود کلا الإشکالین فی الاستصحابات الحکمیه علیه، و هما معارضته لاستصحاب عدم الجعل، و عدم مقتضی الجریان فیه لکون الحکم انحلالیاً. و لا یجدی التمسک فی إثبات جریان الاستصحاب بمدرِک الشریعتین أو الزمانین أیضاً لأن وجوب صلاه الجمعه مثلاً الثابت علیه فی الزمان الأول یغایر وجوبها علیه فی الزمان الثانی بمقتضی الانحلال.

ثم إن السید الصدر ذکر أن فی المقام إشکالاً ثالثاً و هو تعارض استصحاب بقاء الحکم المحتمل نسخه لاستصحاب بقاء المجعول الفعلی قبل فعلیه موضوع الحکم المحتمل نسخه. فإذا تغیَّر ماء کرّ و احتملنا نسخ الحکم بنجاسه الماء الکرّ المتغیر، تعارض استصحاب بقاء النجاسه مع استصحاب بقاء طهاره الماء قبل التغیر۲۰. و الأصل الأول و إن کان سببیاً بالنسبه إلی الأصل الثانی لأن الشک فی بقاء الطهاره مسبّب عن الشک فی نسخ النجاسه، إلا أن بقاء الطهاره أثر عقلی لنسخ النجاسه فلا یجدی فی حکومه الأصل الأول علی الثانی.

و هذه المعارضه موجوده فی الاستصحاب التعلیقی أیضاً حیث إنه معارض باستصحاب تنجیزی و هو استصحاب بقاء المجعول الفعلی السابق. فاستصحاب حرمه العنب فی صوره الغلیان یعارضه استصحاب حلیه الزبیب قبل الغلیان. و کلا الاستصحابین من استصحاب الحکم المجعول الفعلی.

ثم ذکر السید الصدر أن نظیر هذه المعارضه موجود فی استصحاب الموضوع أیضاً حیث إنه یعارضه استصحاب بقاء المجعول الفعلی السابق، فاستصحاب بقاء الخمریه فی المائع المشکوک صیرورته خلّاً یعارضه استصحاب بقاء الحرمه الفعلیه قبل حدوث الشک. إلا أن هناک فرقاً بین المسألتین یوجب عدم المعارضه فی الاستصحاب الموضوعی.

التفصیل الثانی: التفصیل بین الحکم الشرعی المستفاد من الحکم العقلی و غیره

الحکم الشرعی قد یستکشف من الدلیل النقلی أو الإجماع، و لا إشکال حینئذ فی جریان الاستصحاب فیه عند الشک بناء علی جریان الاستصحاب فی الشبهات الحکمیه. و قد یستکشف من الحکم العقلی، و جریان الاستصحاب فیه حینئذ قد وقع فی موضع النقاش؛ فالمشهور علی الجریان فی نفس الحکم الشرعی المستفاد من الحکم العقلی کالمستفاد من الدلیل النقلی، و الشیخ الأعظم علی المنع فی الحکم العقلی نفسه و فی الحکم الشرعی المستفاد منه کلیهما. و کیف کان فالبحث فی مقامین: جریان الاستصحاب فی نفس الحکم العقلی، و جریانه فی الحکم الشرعی المستفاد منه.

المقام الأول: جریان الاستصحاب فی الأحکام العقلیه

و هذا البحث لم ینقّح لا فی کلمات الأصحاب و لا فی کلام الشیخ المنکر له. و الأقوی جریان الاستصحاب فیها إذا تمّت أرکانه و إن لم نقف علی قائل به بین الأصحاب. فإذا شکّ فی بقاء الحرب الکذائی علی القبح و الحرمه العقلیه لم یکن محذور فی الحکم ببقاء القبح و الحرمه العقلیه تعبّداً.

هذا و ما یمکن أن یعدّ مانعاً من الجریان ثلاثه أمور:

المانع الأول: عدم معقولیه التعبّد بالحکم العقلی

و ذلک بدعوی امتناع تدخّل حاکم فی أحکام حاکم آخر، فإذا کان الحاکم بحکم هو العقل، امتنع للشارع بما هو حاکم آخر أن یتدخّل فی حکم العقل و یحکم ببقاءه تعبّداً منه.

المناقشه فیه

إنه لا مانع منه إذا کان لهذا التعبّد أثر شرعی فإن معنی حجیه الاستصحاب لیس جعل حکم مماثل و لا العلم التعبّدی بالبقاء، بل معناه التعبّد بالبقاء فهو جار فی کل ما کان قابلاً للتعبّد إی ما کان له أثر شرعی و المفروض کذلک؛ حیث أن مرجع هذا التعبّد الشرعی إلی بقاء الحجه فإن العقل حجه باطنه إلهیه کما ورد فی روایه هِشامِ بنِ الحَکَمِ عن أَبی الحَسَنِ موسى بن جَعْفَر علیهما السلام: «إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَیْنِ حُجَّهً ظَاهِرَهً وَ حُجَّهً بَاطِنَهً فَأَمَّا الظَّاهِرَهُ فَالرُّسُلُ وَ الْأَنْبِیَاءُ وَ الْأَئِمَّهُ وَ أَمَّا الْبَاطِنَهُ فَالْعُقُول‏.»۲۱ فإذا قلنا بجریان استصحاب الحکم العقلی صحّ للمولی تعالی الاحتجاج علینا یوم القیامه بالوجود التعبّدی لهذه الحجه.

المانع الثانی: عدم الشک فی بقاء الحکم العقلی

و ذلک لامتناع الشک فی الأمور الوجدانیه بل الأمر فیها یدور بین القطع بالثبوت و القطع بالانتفاء. و إنما یعقل الشک فی العلوم الحصولیه لأن لها واقعاً وراء النفس. و الحکم العقلی علی قسمین:

القسم الأول: حکم العقل بالحسن و القبح؛ و هذا القسم لا معنی فیه للشک فی الحکم العقلی.

القسم الثانی: حکم العقل بوجود ملاک ملزم فی الفعل. و هذا القسم یعقل فیه الشک فی وجود الملاک بقدر لازم لحکم العقل بالإلزام لأجله، إلا أنه لا معنی للشک فی نفس الحکم العقلی حینئذ أیضاً.

المناقشه فیه

إن الشک فی استحاله الدور المعی أو وحده الوجود و غیرها من مدرکات العقل النظری ممکن وجداناً قبل إمعان النظر فیها، مع أن الاستحاله حکم عقلی و لا واقع لها وراء حکم العقل. و دعوی الفرق بین العقل النظری و العملی فی ذلک نقض للبرهان المدعّی و هو عدم معقولیه شکّ الحاکم فی حکم نفسه.

و لا تنافی بین القول بأن الاستحاله أو الحسن و القبح أحکام للعقل لا واقع لها وراء حکم العقل، و بین قابلیه تلک الأحکام للصدق و الکذب. إذ صدقها بمطابقتها لحکم العقل. و المراد من هذا العقل لیس عقل زید أو عمرو لوجدان اختلاف الناس فی ما یدّعون من أحکام عقولهم، بل لیس المراد منه عقل الإمام المعصوم لتأدی ذلک إلی تعطیل الشریعه، بل المراد منه حقیقه العقل و هو مخلوق معصوم لیس له فی کل مسأله إلا حکم واحد. و أما عقولنا فطرق إلی ذلک العقل و هی معصومه أیضاً فلیس مقتضی نقصانها وقوع الخطأ فیها بل مقتضاه عدم إدراکه لبعض الحقائق. أما إذا أدرک شیئاً فهو صحیح قطعاً إلّا أنّنا قد نتوهّم شیئاً حکماً عقلیاً مع أنه لیس کذلک بل هو من جنود الجهل، کما یقع الاشتباه فی القطع.

ثمّ إن اللازم ملاحظه المسالک فی تفسیر الحسن و القبح لنری إمکان تحقق الشک فیه و عدمه.

مسالک فی تفسیر مدرکات العقل العملی أی الحسن و القبح

المسلک الأول: ما ذهب إلیه المحقق الإصفهانی

و هو أن الحسن و القبح من الآراء المحموده أی ما تطابقت علیها آراء العقلاء لأجل حفظ نظامهم.

و علیه یجب أن نلاحظ المقصود من العقلاء فی کلامه هل هو جمیعهم أو بعضهم. فإن کان المقصود بعض العقلاء کان الشک فی الحسن و القبح ممکناً قطعاً. و أما إن کان المقصود جمیع العقلاء فی جمیع الأعصار و الأمصار لم یکن معنی للشک فی الحسن و القبح لأنّ شکّ عاقل واحد فیهما یساوق عدم تحققهما لانتفاء اتّفاق جمیع العقلاء.

ثمّ إن ظاهر کلمات المحقق الإصفهانی هو إراده جمیع العقلاء لأنه یستدلّ لثبوت الحسن و القبح بأن العقلاء إذا اتّفقوا علی قبح الظلم مثلاً مع نقصان عقلهم فإنّ الشارع الذی هو خالق العقل و العقلاء و رئیسهم کان أولی بالحکم بقبحه. و أیضاً إنه یجعل الآراء المحموده قسیماً للعادیات أی الأحکام التی یحکم بها قسم من العقلاء لا بما هم عقلاء بل بما هم أهل عرف خاص. و الظاهر من هاتین النقطتین أن مراده من العقلاء فی المقام هو جمیعهم.

فظهر بذلک اندفاع ما استشکل به السید الصدر علی المحقق الإصفهانی من أن المقصود من تطابق آراء العقلاء، تطابق آراء نوعهم و الشک فی حکم نوع العقلاء ممکن، کالشک فی المعنی العرفی لکلمهٍ ما مع أن الشاکّ أیضاً أحد العرف. و وجه الاندفاع أنه خروج عن المبنی الذی قلنا إنه اعتبار جمیع العقلاء لا نوعهم، کما أن التنظیر باللغه لا وجه له إذ المیزان فی معنی الکلمه هو عرف زمن صدور الروایه أو نوع العرف لا جمیعهم.

المسلک الثانی: ما ذهب إلیه الآخوند فی حاشیته علی الرسائل

و هو أن الحسن ما یلائم النفس و القبیح ما تشمئزّ منه النفس.

و علیه أیضاً تجب الملاحظه المذکوره من أن المقصود ملائمه و اشمئزاز جمیع النفوس أو بعضها. فإن کان الأول فلا معنی للشک کما ذکروه، و إن کان الثانی فللشک مجال. نعم، إن کان المراد من النفس وجدان کل مکلّف لم یکن للشکّ فیه مجال.

المسلک الثالث: ما ذهب إلیه السید الصدر

و هو أن للحسن و القبح واقعاً وراء العقل فی عالم نفس الأمر الذی هو أوسع من عالم الوجود. کما أن لأحکام العقل النظری من الاستحاله و الإمکان و نظائرهما أیضاً واقعاً فی ذلک العالم.

و علیه فالشک فی الحسن و القبح ممکن کما هو واضح إلا أنّنا لم نتمکّن من تصوّر هذا العالم فضلاً عن تصدیقه، فهذا المسلک مردود کبرویاً، علی أن لازمه عدم کون هذا العالم مخلوقاً للباری تعالی.

المسلک الرابع: ما ذهب إلیه المحقق النائینی و السید الخوئی

و هو أن الحسن ما یُمدح فاعله، و القبیح ما یُذمّ فاعله.

و علیه أیضاً تجب ملاحظه المادحین و الذامّین -أی العقلاء- هل المراد منهم جمیعهم أو بعضهم کما تقدّم.

المسلک الخامس: المختار فی تفسیر الحسن و القبح

إن الحسن و القبح مدرکان عقلیان -و لیسا عقلائیین کما أفاده المحقق الإصفهانی- إلا أن الوصول إلی کنه حقیقتهما ممّا لا یتیسّر لنا لأنهما من الأمور الوجدانیه، و هی کما قال الحکیم السبزواری: مفهومه من أعرف الأشیاء، و کنهه فی غایه الخفاء. نعم، وجدان هذه الأمور ممکن حتی للعوامّ.

و علیه فللشکّ فیهما مجال لما تقدّم من إمکان اشتباه الحکم العقلی بجنود الجهل.

المانع الثالث: رجوع الحیثیه التعلیلیه فی الأحکام العقلیه إلی الحیثیه التقییدیه

إن الموضوع فی کل قضیهٍ حیثیهٌ تقییدیه لحکمه، و عله ثبوت الحکم له حیثیهٌ تعلیلیه لذلک الحکم. ففی قضیه «الماء حارّ» إن الماء حیثیه تقییدیه للحراره فهو الذی یعرضه الحکم بالحراره، و النار المجاوره للماء حیثیه تعلیلیه لها. و فی قضیه «زید موجود» زید حیثیه تقییدیه للحکم بالوجود، و الباری سبحانه حیثیه تعلیلیه له.

هذا التقسیم الثلاثی أی القول بالموضوع و الحکم و العله إنما هو فی غیر الأحکام العقلیه، و أما فیها فلیس إلا الموضوع و الحکم، و لا معنی لافتراض العله فیها إلی جانب الموضوع و ذلک لأن الموضوع فی تلک الأحکام شامل لکل ما له دخل فی الحکم بما فیه العله. فقضیه «الخیانه قبیحه لأنها ظلم» راجعه إلی قضیه «الخیانه التی تکون ظلماً قبیحه». و هذا ما یعبّر عنه تاره بأن الحیثیات التعلیلیه فی الأحکام العقلیه ترجع إلی الحیثیات التقییدیه، و أخری بأن الأغراض فی الأحکام العقلیه ترجع إلی موضوعاتها، و ملخّص المراد منها إنکار ثبوت العله فی الحکم العقلی زائداً علی الموضوع.

و بعد ثبوت تقییدیه الحیثیات فی الأحکام العقلیه تنتفی الوحده المعتبره فی موضوع الاستصحاب لأن الموضوع فی القضیه المتیقنه متقیِّد، و تقیّده یوجب تغایره للموضوع فی القضیه المشکوکه الفاقد لذلک القید.

المناقشه فیه

۱- إنها دعوی بلا دلیل. و لم نقف فی کلمات الأعلام علی استدلال علیها. فما المحذور فی حکم العقل بأن هذا الصدق قبیح مثلاً لأنه مضرّ؟

۲- إن وحده الموضوع عقلاً و إن انتفت علی هذا المبنی، إلا أن الوحده العرفیه کافیه فی شمول دلیل الاستصحاب. و دعوی اختصاص مرجعیه العرف بفهم الأدله اللفظیه دون العقلیه تدفعها أن الکلام فی فهم دلیل الاستصحاب و أن وحده الموضوع المأخوذ فیه هل هو بملاک العقل أو العرف أو لسان الدلیل، و أن الأقوی هو الثانی کما ذکره الآخوند فی الکفایه.۲۲ و یظهر اختلاف الملاک الثانی عن الثالث فی استصحاب نجاسه الماء بعد زوال تغیّره، إذا کان الدلیل قضیه «الماء المتغیر نجس» مثلاً. فإن قلنا بالثانی کان الموضوع للنجاسه عرفاً مع غضّ النظر عن هذا الدلیل نفس الماء فیجری الاستصحاب، و إن قلنا بالثالث کان الموضوع الماء المتغیّر بحکم ما یفهمه العرف من هذا الدلیل فلا یجری الاستصحاب. ثمّ إنه علی القول بالثانی یجری الاستصحاب فی الأحکام العقلیه أیضاً مع تسلیم کون قیودها تقییدیه لنفس ما ذکرنا فی المثال.

المقام الثانی: جریان الاستصحاب فی الحکم الشرعی المستفاد من الحکم العقلی

و ینبغی للبحث عن هذا الأمر أن نذکر ثلاث نقاط:

النقطه الأولی: أقسام الحکم العقلی المستکشف منه الحکم الشرعی

إنّ الحکم العقلی المستکشف منه الحکم الشرعی علی ضربین:

۱- حکم العقل بالحسن و القبح.

۲- إدراک العقل لوجود ملاک ملزِم فی الفعل، یقتضی جعل الشارع الحکمَ علی أساسه.

و فی کلا القسمین قد ادّعی وجود الملازمه بین الحکم العقلی و الحکم الشرعی. فالملازمه المدّعاه فی القسم الأول تکون بین الحکم الشرعی و بین حکم العقل بالحسن و القبح، و فی القسم الثانی تکون بین الحکم الشرعی و بین الملاک الملزم الذی قد أدرکه العقل -و لو لم یحکم العقل علیه بشیء من الحسن أو القبح- بناء علی مسلک العدلیه من وجوب الجعل الشرعی فی کل مورد یتوفّر فیه الملاک الملزم.

النقطه الثانیه: عدم ثبوت دلیل علی الملازمه

لا دلیل علی ثبوت الملازمه بین الحکم الشرعی و الحکم العقلی فی کلا القسمین. فإن الشارع لعلّه قد اکتفی بحکم العقل و لم یجعل حکماً و لو إمضاءً. و لا یعنی عدمُ جعل الشارع للحکم أنه یجوز أن یحکم العقل بقبح شیء و الشارع یجوّزه فی نفس الوقت؛ بل الشارع لا یأذن بفعل ما قبّحه العقل. فعدم الإذن فی الارتکاب شیء و ثبوت الحرمه شیء آخر. کما أن نفس الإطاعه و العصیان محکومان بالوجوب و الحرمه العقلیین مع عدم محکومیتهما بحکم شرعی.

و علیه فلا ملازمه بین ثبوت ملاک الوجوب فی فعل و إجزاءه و لو لم یکن مأموراً به. و الشاهد علیه ما ورد عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام أنه قَالَ: «کَانَ بَنُو إِسْرَائِیلَ إِذَا أَصَابَ أَحَدَهُمْ قَطْرَهُ بَوْلٍ قَرَضُوا لُحُومَهُمْ‏ بِالْمَقَارِیضِ‏ وَ قَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَیْکُمْ بِأَوْسَعِ مَا بَیْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ جَعَلَ لَکُمُ الْمَاءَ طَهُوراً فَانْظُرُوا کَیْفَ تَکُونُونَ.»۲۳ فإن الحکم بوجوب قرض اللحوم علیهم کان ذا ملاک قطعاً لامتناع جعل حکم شرعی بلا ملاک. و حینئذ فإن لم یکن ذلک الملاک ثابتاً لنا، لم تکن فی عدم جعله علینا منه و قد قال الإمام علیه السلام «و قد وسّع الله علیکم». و إن کان ذلک الملاک ثابتاً لنا أیضاً کان معناه عدم جعل الحکم علینا مع ثبوت ملاکه.

نعم، کل ما یحکم به الشرع لا بدّ و أن یکون ذا ملاک لقبح جعل الحکم بلا ملاک، إلا أن عدم جعل الحکم فی ظرف ثبوت الملاک فلیس بقبیح، بل لا معنی للامتنان إلا ذلک.

هذا و إنّنا إذ ننکر ثبوت الملازمه بین الحکم العقلی و الحکم الشرعی، لا ندّعی عدم إمکان ثبوت الحکم الشرعی فی مورد حکم العقل. فبالإمکان أن یحکم الشرع علی طبق حکم العقل کما أن الإطاعه واجبه شرعاً علی الصحیح. فثبوت الحکم الشرعی فی مورد حکم العقل لیس ضروریاً و لا ممتنعاً.

النقطه الثالثه: البرهان علی إنکار استصحاب الحکم الشرعی المستفاد من حکم العقل

و هذا البرهان یتألف من مقدّمتین:

الأولی: لا یعقل الإهمال فی الحکم العقلی، بل العقل إما أن یحکم بشیء أو لا یحکم به، و لا یتصوّر الشک فی حکمه.

الثانیه: إن مقتضی ملازمه الحکم الشرعی للحکم العقلی اتّحاد موضوع الحکمین بلا زیاده و لا نقصان. و حیث إن القیود فی الحکم العقلی تقییدیه دائماً فالشک فی هذا الحکم الشرعی المستفاد أیضاً یرجع إلی الشک فی الموضوع.

هذا ما ذکره السید الخوئی۲۴. و قد استُشکل فی کل من المقدمتین.

إشکال المحقق النائینی علی المقدمه الأولی

إن انتفاء الإهمال فی الحکم العقلی لیست قضیه کلیه، بل قد یتحقق الإهمال فی حکمه و ذلک إذا کان حکمه من حیث القدر المتیقن له. فإذا أحرز العقل المفسده فی فعل إذا بلغ درجه معیّنه، حکم بقبح تلک الدرجه من ذلک الفعل من جهه أنه هو القدر المتیقن من ذی المفسده. و أما ما دون تلک الدرجه من ذلک الفعل فمهمل فی حکم العقل إذ لا یحرز وجود المفسده فیه کما لا یحرز عدمه، فیتحقق الشک فی الحکم العقلی.

جواب السید الخوئی عن هذا الإشکال

إن إمکان حکم العقل من حیث القدر المتیقن و إن کان مسلّماً لکنّه مختصّ بالقسم الثانی من قسمی الحکم العقلی و هو ما إذا أدرک العقل وجود ملاک ملزم فی الفعل؛ حیث إن الملاکات أمور واقعیه سواء أدرکها العقل أم لم یدرکها، و سواء حکم الشارع علی أساسه أم لم یحکم. فإذا أدرک العقل ملاکاً کذلک، تحقّق الشک فی ما دون القدر المتیقن من الفعل. إلا أن هذا القسم من الحکم العقلی لا یکاد یوجد له مصداق، و أنّی للعقل من الحصول علی ملاکات الأحکام؟ فنحن لا ندرک عقلاً وجود المفسده الملزمه حتی فی قتل عامّه الناس.

و أما القسم الأول من الحکم العقلی -و هو حکمه بالحسن و القبح- الذی هو المراد للشیخ حینما یقول بعدم جریان استصحاب الحکم الشرعی المستفاد من الحکم العقلی، فلا مجال فیه لحکم العقل من حیث القدر المتیقن إذ الحسن و القبح متقوّمان بحکم العقل -أو العقلاء علی مسلک المحقق الإصفهانی-، فلا واقع لهما وراء هذا الحکم لیعقل تحقق الشک فیه.۲۵

الإشکال علی المقدمه الثانیه

قد یأخذ العقل قیداً کحیثیه تعلیلیه و الشارع یأخذه کحیثیه تقییدیه، و قد یکون الأمر بالعکس. فلا موجب لاتحاد موضوع الحکمین فیمکن الشک فی بقاء الحکم الشرعی فلا مانع من جریان الاستصحاب فیه.

بل بالإمکان أن یکون موضوع الحکم الشرعی متبایناً مفهوماً لموضوع الحکم العقلی و إنما یکونان متحدین مصداقاً کما إذا حکم العقل بحسن الکذب المصلح مثلاً و حکم الشرع بوجوب إصلاح ذات البین. فلیس من اللازم -علی القول بالملازمه- أن یکون موضوع حکم الشارع نفس موضوع حکم العقل، بل اللازم ثبوت حکم شرعی فی مورد حکم العقل لا أکثر. و قد استشکلنا سابقاً علی الآخوند حیث یقول فی مبحث مقدمه الواجب: «إن الواجب عقلاً ذات المقدمه لا عنوانها فلا یعقل تعلّق الوجوب الغیری بالأجزاء الداخلیه حتی علی القول بجواز الاجتماع و ذلک لعدم تعدد العنوان فیها.» بأن الشارع لعلّه یوجب مقدّمه الواجب لا بنفس العنوان الذی أوجبه العقل بل بعنوان آخر کعنوان المقدمه. و علیه فلا یجری الاستصحاب فی الحکم الشرعی المستفاد من حکم العقل لعدم العلم ببقاء الموضوع.

هذا مضافاً إلی أن ملاک وحده الموضوع اللازمه فی جریان الاستصحاب هی الوحده العرفیه کما تقدّم، فیمکن أن یکون قیدٌ حیثیه تقییدیه فی نظر العقل و الشارع معاً إلا أن العرف یلغیه و یری الموضوع واحداً.

۱. فرائد الأصول، ج‏۳، ص: ۲۱۰

۲. دروس فی مسائل علم الأصول، ج‏۵، ص: ۱۳۳

۳. جدیر بالالتفات أن الجعل فی کلام المحقق النائینی یراد منه الحکم الإنشائی، و المجعول یراد منه الحکم الفعلی. و هذه النقطه قد توجب ارتفاع الإشکال من رأس.

۴. فوائد الاصول، ج‏۴، ص: ۴۴۷؛ اجود التقریرات، ج‏۲، ص: ۴۰۶

۵. مصباح الأصول، ج‏۲، ص: ۴۶

۶. منتقى الأصول، ج‏۶، ص: ۷۷؛ و راجع: نهایه الأفکار فی مباحث الألفاظ، ج‏۴ قسم‏۱، ص: ۱۶۱

۷. مصباح الأصول، ج‏۲، ص: ۴۸

۸. هناک ملاک ثالث لتعارض الأصول ذکره السید الخوئی فی مواضع من کلماته و هو الترخیص القطعی فی المخالفه العملیه.

۹. بحوث فی علم الأصول، ج‏۶، ص: ۱۴۱

۱۰. راجع: نهایه الأفکار فی مباحث الألفاظ، ج‏۴قسم‏۱، ص: ۹

۱۱. مباحث الأصول (الحائری) القسم‏۲ ج‏۵، ص: ۱۹۹

۱۲. مبانى الاحکام فی اصول شرائع الاسلام، ج‏۳، ص: ۵۴

۱۳. وسائل الشیعه، ج‏۱، ص: ۳۵۰

۱۴. مباحث الأصول (الحائری) القسم‏۲ ج‏۵، ص: ۲۱۲

۱۵. بحوث فی علم الأصول (الهاشمی) ج‏۶، ص: ۱۴۵

۱۶. إن کلمات السید الخوئی و السید الصدر ظاهره فی أن المراد من استصحاب عدم الجعل هو استصحاب عدم المجعول الإنشائی. و أما المجعول الفعلی فهو وهم کما أفاده السید الصدر و قبلَه السید الخوئی.

۱۷. بحوث فی علم الأصول (الهاشمی) ج‏۶، ص: ۲۳۸

۱۸. نعم، إن کلمات السید الخوئی فی أصوله مطابقه لمسلک المحقق النائینی.

۱۹. راجع: مصباح الأصول، ج‏۲، ص: ۱۴۸

۲۰. بحوث فی علم الأصول، ج‏۶، ص: ۱۴۹

۲۱. الکافی (ط – الإسلامیه)، ج‏۱، ص: ۱۶

۲۲. کفایه الأصول، ص: ۴۲۷

۲۳. وسائل الشیعه، ج‏۱، ص: ۱۳۴

۲۴. مصباح الأصول، ج‏۲، ص: ۳۲

۲۵. مصباح الأصول، ج‏۲، ص: ۳۴

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *